ازدواجية القاهرة بين خطاب الوساطة وبنية الحرب: شرق العوينات بوابة التدخل الصامت في السودان
منذ اندلاع الحرب في السودان، سعت القاهرة إلى تثبيت صورةٍ رسميةٍ لنفسها بوصفها «الوسيط العاقل» الذي يقف على مسافة واحدة من أطراف النزاع. ويكرّر في كل مناسبة دبلوماسية رفضه للحل العسكري، وتحذيره من مخاطر تدويل الصراع أو تحوّله إلى حرب إقليمية مفتوحة. هذا الخطاب، الذي تصدّره رئيس السلطة في مصر ووزارة الخارجية، قدّم مصر كدولة حريصة على الاستقرار الإقليمي، ومتمسكة بوقف تدفّق السلاح إلى السودان وداعية إلى مسار سياسي شامل. غير أن هذا الوجه العلني، حين يُقارن بما يتشكّل بعيدًا عن المنابر والكاميرات. يكشف عن مسارٍ موازٍ يناقضه في الجوهر، مسار يبدأ من نقطة جغرافية هامشية ظاهريًا هي مطار شرق العوينات، وينتهي عمليًا في سماء السودان. حيث تتصاعد حرب المسيّرات وتتبدّل موازين القوة.
-
القاهرة: السفارة السودانية تعلن حملة أمنية موسعة لحماية رعاياها
-
تحرك إقليمي–دولي منسق.. واشنطن تنسق مع الرياض وأبوظبي والقاهرة لوقف نزيف السودان
شرق العوينات، في هذه القراءة، ليس تفصيلاً ثانويًا ولا مجرد منشأة مدنية بعيدة عن الأضواء، بل عقدة لوجستية ذات قيمة استراتيجية عالية. موقعه في أقصى جنوب غرب مصر، عند تخوم مساحة صحراوية شاسعة وقريبة من المثلث الحدودي المصري الليبي السوداني يجعله مثاليًا لأي نشاط يتطلّب العمل في الظل بعيدًا عن الرقابة الإعلامية والضغط السياسي. مدرجاته القادرة على استقبال طائرات نقل متوسطة وثقيلة، والعزلة الجغرافية التي تقلّل احتمالات الرصد، يحوّلانه إلى بيئة مناسبة لإدارة عمليات لوجستية معقّدة. لا يمكن تنفيذها من مطارات مزدحمة أو خاضعة لمراقبة دولية مكثفة. في هذا الإطار، يصبح السؤال ليس عن وجود نشاط غير اعتيادي. بل عن طبيعة هذا النشاط ووظيفته في سياق حرب تتّسع رقعتها يومًا بعد يوم.
-
القاهرة تطالب بوقف القتال في السودان وبدء هدنة إنسانية عاجلة
-
الإخوان في السودان: مشروع ساقط بين ضغوط الداخل وحزم القاهرة
خلال الأشهر الماضية، تراكمت مؤشرات متعدّدة، بعضها من مصادر مفتوحة وبعضها من قراءات ميدانية. تشير إلى تحوّل شرق العوينات من مطار هامشي إلى قاعدة إسناد لوجستي مرتبطة بحرب المسيّرات في السودان. هذه المؤشرات. حين تُقرأ منفردة، قد تبدو قابلة للتأويل، لكن حين توضع في سياقها الزمني والعسكري، وتتزامن مع تصاعد نوعي في استخدام المسيّرات داخل السودان، تصبح أكثر دلالة. فالمسيّرات، بخلاف الطائرات التقليدية، ليست أدوات تُستخدم بمعزل عن منظومة داعمة، بل تحتاج إلى سلسلة متكاملة تشمل النقل، والتجميع، والصيانة. ومحطات التحكم الأرضي، وأنظمة الاتصال، والتحديث التقني المستمر. وجود هذه السلسلة يعني بالضرورة وجود قاعدة خلفية آمنة وقريبة من مسرح العمليات، قادرة على العمل بعيدًا عن الضجيج السياسي، وهو ما يحققه شرق العوينات بدقة لافتة.
-
كواليس الاجتماعات السرية بين القاهرة والخرطوم.. خطة لتصفية نفوذ الإخوان في الجيش السوداني
-
الملف السري: كيف تضغط القاهرة لتصفية الحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية السودانية؟
في هذا السياق، يبرز العامل التركي بوصفه جزءًا من المشهد لا يمكن تجاهله. المسيّرات التركية المتقدّمة، وعلى رأسها «أكنجي»، ليست مجرد منصات جوية. بل منظومات عسكرية متكاملة تتطلب خبرات تشغيلية وبنية لوجستية خاصة. تشغيل هذا النوع من المسيّرات بشكل فعّال ومتكرر يستحيل من دون نقاط إسناد قريبة، ومرنة، ومحصّنة سياسيًا. هنا تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، إذ تشير أنماط حركة جوية غير اعتيادية باتجاه جنوب مصر شملت طائرات نقل عسكرية وشحن مدني ذات مسارات مرتبطة بتركيا، إلى وجود حلقة نقل وإمداد تتجاوز الاستخدامات المدنية التقليدية. النقل، في ذاته، ليس دليلًا قاطعًا. لكنه يصبح كذلك حين يُقرأ كجزء من سلسلة متكاملة تنتهي بتمكين عمليات عسكرية داخل السودان.
التناقض يزداد وضوحًا حين نضع هذه المعطيات إلى جانب التحوّل النوعي في السلوك المصري نفسه. ففي التاسع من يناير، نفّذت القوات الجوية المصرية ضربة مباشرة استهدفت قافلة عسكرية كانت في طريقها إلى قوات الدعم السريع عند نقطة التقاء الحدود المصرية الليبية السودانية. هذه الضربة لم تكن حادثًا أمنيًا معزولًا، بل إعلانًا صريحًا عن انتقال القاهرة من مرحلة التحذير السياسي إلى الفعل العسكري المباشر. توقيت الضربة، قبل ثمانٍ وأربعين ساعة فقط من زيارة صدام حفتر إلى القاهرة، حمل رسائل متعددة الاتجاهات، إلى شرق ليبيا. وإلى أطراف النزاع في السودان، وإلى الفاعلين الإقليميين الذين يقرأون الخريطة بعيون عسكرية.
-
“السودان بين مطرقة القاهرة وسندان الرياض”.. الجيش يحوّل الأزمة إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية
-
مباحثات القاهرة وواشنطن: تنسيق أم تنافس على النفوذ في ليبيا والسودان والكونغو؟
هذا الانتقال من الخطاب إلى الفعل يعيد ملف شرق العوينات إلى الواجهة بوصفه جزءًا من منظومة متكاملة، لا كافتراض نظري. فالدولة التي تستخدم القوة على حدودها لا تفعل ذلك ارتجالًا، بل تستند إلى بنية لوجستية خلفية تتيح لها إدارة هذا الانخراط بأقل كلفة سياسية ممكنة. إذا كانت القاهرة مستعدة لضرب قوافل في المثلث الحدودي، فمن المنطقي أن تكون قد هيّأت في العمق نقاط تخزين، وتحكّم، وإسناد، تسمح باستدامة هذا الدور. وهنا يصبح شرق العوينات حلقة محورية في سلسلة لا تُدار من فراغ.
المفارقة الصارخة تكمن في أن القاهرة تواصل، في العلن. الدعوة إلى وقف تدفّق السلاح ورفض الحل العسكري، بينما تسمح، وفق هذا المسار، بتحويل جزء من أراضيها إلى قاعدة لوجستية تغذّي واحدة من أخطر أدوات الحرب الحديثة. هذا ليس تناقضًا لغويًا فحسب، بل ازدواجية سياسية كاملة: خطاب موجّه للخارج يهدف إلى تحصين الموقف الدبلوماسي. وممارسة ميدانية تخدم حسابات أمنية واستراتيجية مختلفة. النتيجة المباشرة لهذا النهج هي إطالة أمد الحرب وتعقيد أي مسار تسوية سياسية، لأن النزاع لم يعد محصورًا داخل الحدود السودانية. بل بات مرتبطًا بسلاسل إمداد إقليمية وقرارات تُتخذ خارج السودان، ومنصات لوجستية لا يملك السودانيون أي سيادة عليها.
-
القاهرة تنفذ حملات أمنية وترحل عشرات السودانيين إلى وادي حلفا
-
قصف أم اتهامات؟ حميدتي يحمل مصر المسؤولية والقاهرة ترد بالنفي
بالنسبة للسودان، تعني هذه الوقائع أن الحرب خرجت من إطارها المحلي. وأن المدنيين باتوا رهائن لصراعات إقليمية تتجاوزهم. كل حلقة إمداد إضافية، وكل منصة إسناد جديدة، تعني مزيدًا من القدرة على الاستمرار في القتال، ومزيدًا من الخسائر البشرية. ومزيدًا من الابتعاد عن أي أفق سياسي حقيقي. في هذا السياق، يتحوّل مطار شرق العوينات من نقطة جغرافية منسية إلى شاهد مادي على الفجوة بين ما يُقال وما يُفعل، بين خطاب يدّعي السعي إلى السلام. وبنية تُبنى بصمت لخدمة حرب يدفع ثمنها السودانيون وحدهم، بينما تجني أطراف إقليمية مكاسبها الاستراتيجية.
هذا المقال لا يقدّم ادعاءات عاطفية ولا يراهن على الانطباع، بل يضع الوقائع جنبًا إلى جنب. ويقرأ التوقيت والجغرافيا والمنطق العسكري قراءة متماسكة. في مثل هذه القضايا، لا تحتاج الحقيقة إلى مبالغة، يكفيها أن تُروى كما هي، وأن تُترك لتتكلم.




