تحقيقات

اتهامات كبرى للجيش السوداني.. تلوث محتمل وأمراض غامضة تثير القلق الدولي


تُعيد الاتهامات المتصاعدة باستخدام الجيش السوداني ومجموعات متحالفة معه أسلحة كيميائية رسم ملامح الحرب الدائرة منذ عام 2023، ليس فقط بوصفها صراعًا على السلطة والنفوذ، بل كمعركة تتقاطع فيها الانتهاكات الإنسانية مع أحد أكثر المحظورات رسوخًا في القانون الدولي، ما يضع المؤسسة العسكرية في مواجهة أسئلة صعبة حول شرعيتها، ويحرج حلفاءها الإقليميين والدوليين الذين طالما قدّموا الجيش باعتباره “الركيزة الأخيرة للأمن” في بلد يتآكل فيه كل شيء.

فمع دخول الحرب شهرها الثالث والثلاثين، وارتفاع عدد القتلى إلى نحو 200 ألف، تتزايد الشهادات والتقارير التي تتحدث عن استخدام أسلحة كيميائية في الخرطوم والجزيرة وسنار، وفي مناطق واسعة من دارفور خلال أواخر عام 2024. وتحوّل هذه المزاعم النقاش من دائرة الاتهامات التقليدية إلى مستوى جديد من الخطورة، إذ تشير إلى احتمال تجاوز الجيش لخط أحمر ظل المجتمع الدولي يعلن التمسك به منذ عقود.

وتعود جذور الجدل إلى يناير 2025، حين فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، بعد أن نقل مسؤولون أميركيون لصحيفة نيويورك تايمز أن “المعرفة ببرنامج الأسلحة الكيماوية كانت محصورة داخل دائرة ضيقة”، وأن البرهان وافق على استخدامها. وفي مايو من العام نفسه، اتهمت واشنطن الجيش بشن هجمات مميتة على المدنيين، ودعت إلى وقف استخدام الأسلحة الكيميائية، مؤكدة أن لديها أدلة على استخدامها مرتين على الأقل خلال عام 2024.

وتعززت هذه المزاعم بتحقيقات مستقلة أجراها فريق “مراقبون” بالتعاون مع منظمات تحليل بيانات مفتوحة المصدر، وتحققت منها هيومن رايتس ووتش، مشيرة إلى استخدام غاز الكلور خلال عمليات عسكرية قرب الخرطوم في سبتمبر 2024، عبر إسقاط براميل مملوءة بالكلور من الجو. كما رفعت مجموعات حقوقية سودانية ودولية تقارير إلى مجلس حقوق الإنسان تطالب بتحقيق دولي مستقل.

وتتسع دائرة الشهادات المحلية لتضيف طبقة جديدة من القلق. فبعد إعلان عودة بعض المؤسسات الحكومية إلى الخرطوم في يناير 2026، اختارت معظمها مواقع بعيدة عن وسط المدينة، ما أثار شكوكًا حول وجود تلوث في المناطق التي كانت تضم المقرات الحكومية. وتحدثت مصادر طبية عن انتشار أمراض غير مألوفة، بينما أكد سكان في الكومة ومليط بشمال دارفور رصدهم “ظواهر غير طبيعية” عقب أكثر من 130 ضربة جوية، بينها احتراق الجثث وتغير ملامحها، ونفوق الحيوانات، وتغير لون التربة والمياه. وقال أحمد جزو، أحد قيادات الإدارات الأهلية، إن ما شاهده السكان “لا يشبه آثار القصف التقليدي”.

وفي سنار، وثّقت الناشطة الحقوقية رحاب مبارك ارتفاعًا غير مسبوق في حالات الإجهاض، بلغت نحو 150 حالة خلال أقل من ستة أشهر عقب هجمات جوية واسعة في أكتوبر 2024، ما أثار مخاوف من تعرض السكان لمواد سامة.

وتضع هذه الاتهامات المجتمع الدولي أمام اختبار صعب. فبحسب الباحث الأميركي ماتيو بوتشيا، فإن ملف الأسلحة الكيميائية “يضيف بُعدًا جديدًا إلى صراع اتسم بالنزوح الجماعي والتطهير العرقي والمجاعة وانهيار مؤسسات الدولة”، مشيرًا إلى أن ثبوت استخدام هذه الأسلحة “يتجاوز مجرد إضافة جريمة حرب أخرى، ويضرب أحد أكثر المحرمات صرامة في الحروب الحديثة”.

ويتعقد المشهد أكثر لأن الاتهامات لا تطال ميليشيات هامشية، بل الجيش الذي تقدمه حكومات حليفة باعتباره المؤسسة الشرعية الوحيدة المتبقية. وتقول المحامية نفيسة حجر إن استخدام غاز الكلور “يشكّل سابقة خطيرة تهدد منظومة المعايير الدولية”، مؤكدة أن الأدلة المتزايدة “تفرض دعم تحقيق شفاف عبر تفتيش إجباري من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”.

وتبدو الولايات المتحدة الأكثر حزمًا في ردّها، إذ ربطت عقوباتها الأخيرة على قادة عسكريين بملف الأسلحة الكيميائية، ملمّحة إلى استعدادها لتجاوز انتظار إجماع دولي كامل قبل توجيه اتهام مباشر. أما الاتحاد الأوروبي، فضمّن هذه المزاعم في إطار أوسع لإدانة الفظائع، بينما تنتظر دول أوروبية نتائج تحقيق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية قبل اتخاذ خطوات إضافية.

وتشير هذه التطورات إلى أن الاتهامات قد تعمّق عزلة الجيش السوداني دبلوماسيًا، وتضعف قدرة الدول الإفريقية والعربية الحليفة على تبرير التعاون معه. كما قد تحوّل التركيز الدولي من مسارات التسوية السياسية إلى مسألة المساءلة، في وقت تتراجع فيه القنوات الدبلوماسية وتتزايد الضغوط لفتح تحقيق دولي مستقل.

وفي بلد أنهكته الحرب، لا تبدو هذه الاتهامات مجرد فصل جديد في سجل الانتهاكات، بل نقطة تحول قد تعيد صياغة طريقة تعامل العالم مع الأزمة السودانية، وتطرح سؤالًا أكبر حول قدرة المجتمع الدولي على حماية المعايير التي يعلن الدفاع عنها حين تُختبر في ساحات الصراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى