تسريبات

إعادة تشكيل السلطة في السودان بين حسابات البرهان وصراعات الحلفاء


في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس القرارات السياسية فقط بنتائجها المباشرة، بل بما تكشفه من اتجاهات عميقة في بنية السلطة. ما يشهده السودان اليوم ليس مجرد خلاف حول نسب تمثيل في مجلس تشريعي أو حكومة قادمة، بل هو عملية إعادة هندسة دقيقة لخريطة النفوذ داخل معسكر السلطة ذاته، في ظل حرب مستمرة وضغوط إقليمية ودولية متصاعدة.

قرار تقليص تمثيل الكتلة الديمقراطية جاء في توقيت حساس، ما أعطاه أبعادًا تتجاوز مسألة الأداء السياسي. من منظور استراتيجي، يبدو أن القيادة العسكرية تسعى إلى تقليص عدد مراكز الضغط داخل معسكرها، خصوصًا في ظل تباينات في المواقف من مسارات التفاوض ووقف إطلاق النار. فكلما اتسعت دوائر المشاركة، زادت احتمالات بروز أصوات متباينة، وهو ما قد يضعف القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة في لحظة حرب.

غير أن هذه المقاربة تحمل مخاطر واضحة. فإضعاف الحلفاء لا يؤدي دائمًا إلى تعزيز السيطرة، بل قد يدفعهم إلى البحث عن أدوات ضغط بديلة. موقف مني مناوي مثال واضح على ذلك، إذ اعتبر أن تقليص التمثيل يمس جوهر الشراكة السياسية، ولوّح بخيارات تصعيدية تعكس استعدادًا لرفع سقف المواجهة السياسية. هذا التوتر يعكس خللًا في إدارة التحالفات، حيث تتحول الشراكة من صيغة توافق إلى علاقة قوة غير متكافئة.

في الخلفية، يظل الجدل قائمًا حول تأثير التيار الإسلامي في توجيه بعض القرارات الكبرى، خاصة ما يتعلق برفض الحوار ووقف إطلاق النار. ثمة قراءة ترى أن أي انفتاح سياسي واسع قد يؤدي إلى إعادة توزيع السلطة بشكل يقلص نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يفسر تشدد الموقف من المبادرات المطروحة.

الكتلة الديمقراطية نفسها ليست كتلة صماء، بل تضم تيارات وحسابات متباينة، وهو ما يفسر التحركات الداخلية لتحجيم أدوار بعض القيادات. هذه التحركات تكشف عن صراع موازٍ داخل التحالفات، حيث يسعى كل طرف لتثبيت موقعه تحسبًا لأي تسوية قادمة.

السؤال الأهم هنا ليس من سيحصل على مقاعد أكثر في الحكومة المقبلة، بل أي نموذج حكم يتشكل خلف هذه القرارات. هل نحن أمام إعادة إنتاج لسلطة مركزية ضيقة الدائرة؟ أم أمام محاولة لإدارة التوازنات بأدوات أكثر صرامة؟ الإجابة ستحدد مسار المرحلة المقبلة، خاصة في ظل تآكل الثقة بين الحلفاء وتصاعد الشكوك المتبادلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى