تسريبات

إخوان السودان وإيران.. التيار الإسلامي داخل الجيش على خط المواجهة الإقليمي


أعادت التصريحات الأخيرة المنسوبة إلى الناجي عبد الله، القيادي في الحركة الإسلامية السودانية، الجدل بقوة حول طبيعة التيار الإسلامي داخل الجيش السوداني، وحدود تداخله بين العمل العسكري والانتماء الأيديولوجي العابر للحدود. ففي تسجيل متداول، أعلن عبد الله تأييد الحركة لإيران في الحرب الدائرة حالياً، مبدياً استعداد ما وصفهم بـ«المجاهدين في السودان بمختلف كتائبهم وتنظيماتهم» للقتال إلى جانب طهران إذا ما تطور النزاع إلى تدخل بري من الولايات المتحدة أو إسرائيل.

هذا الإعلان لم يُقرأ باعتباره موقفاً سياسياً مجرداً، بل كاشفاً عن بنية تنظيمية موازية تتحرك داخل المشهد العسكري السوداني، وتستند إلى إرث طويل من تمكين التيار الإسلامي في مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، منذ عهد الرئيس الأسبق عمر البشير. فخلال ثلاثة عقود، جرى إدماج كوادر الحركة الإسلامية في مفاصل الجيش والأجهزة الأمنية، ما أنتج شبكة ولاءات معقدة لم تُفكك بالكامل بعد سقوط النظام في 2019.

اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023 أتاح لهذه الشبكات فرصة إعادة التموضع. ومع تصاعد المعارك، برزت كتائب ذات خلفية إسلامية تقاتل تحت مظلة القوات المسلحة أو بالتوازي معها، وتتبنى خطاباً تعبويًا يستحضر مفاهيم “الجهاد” و”المعركة الوجودية”. تصريح الناجي عبد الله يُعد أوضح تعبير عن هذا الخطاب، إذ لم يكتفِ بإعلان دعم سياسي لإيران، بل تحدث بلسان تشكيلات مسلحة، في إيحاء بقدرة تنظيمية على التحرك خارج الحدود.

في المقابل، قوبلت هذه الدعوات بانتقادات سياسية واسعة. فقد اعتبر عثمان عبدالرحمن سليمان، المتحدث باسم القوى المدنية المتحدة (قمم)، أن إعلان الاستنفار يعكس “ذهن مليشيات تحتكر الدولة باستخدام القوة ولا تحتكم إلى القانون”، محملاً جماعة الإخوان المسؤولية السياسية والأخلاقية عن أي تداعيات قد تنجم عن هذه التصريحات. وأكد أن أي دعوات للانخراط في نزاعات خارجية باسم السودان تفتقر إلى الشرعية الدستورية، وتمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي.

هذا السجال يسلط الضوء على سؤال جوهري: هل يمثّل التيار الإسلامي داخل الجيش اتجاهاً فكرياً محدوداً، أم بنية مؤثرة في القرار العسكري؟ فالتقارير الدولية تحدثت عن دعم عسكري إيراني للخرطوم منذ الأشهر الأولى للحرب. ففي يناير/كانون الثاني 2024، أفادت وكالة بلومبرغ بأن إيران زودت الجيش السوداني بطائرات مسيرة، بينها طراز مهاجر 6 المصنعة من قبل شركة القدس للصناعات الجوية، وهي مسيّرات قادرة على حمل ذخائر موجهة بدقة.

بالنسبة لمنتقدي التيار الإسلامي، فإن هذا التعاون العسكري لا يمكن فصله عن الامتداد الأيديولوجي للعلاقة بين الحركة الإسلامية السودانية وطهران، وهو امتداد يعود إلى تسعينيات القرن الماضي، حين شكّل السودان محطة رئيسية في شبكة تحالفات إقليمية ذات طابع “ممانع”. ويرى هؤلاء أن إعادة إحياء هذا المحور في ظل الحرب الداخلية يعمّق عزلة السودان ويضعه في مواجهة مع محيطه العربي، خصوصاً دول الخليج التي تمثل ثقلاً اقتصادياً وسياسياً مهماً.

من جهة أخرى، يدافع بعض المحسوبين على التيار الإسلامي عن هذا التقارب باعتباره تحالفاً ظرفياً تفرضه ضرورات الحرب، لا اصطفافاً أيديولوجياً دائماً. إلا أن الخطاب الذي تضمنه تسجيل الناجي عبد الله يتجاوز منطق “المصلحة العسكرية” إلى تبنّي خطاب تعبوي عابر للحدود، يتحدث عن معركة واحدة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، ويضع السودان ضمن محور إقليمي أوسع.

الإشكال الأعمق يتمثل في طبيعة العلاقة بين هذه الكتائب والقيادة العسكرية الرسمية. فإذا كانت هذه التشكيلات تعمل ضمن تسلسل قيادي منضبط، فإن إعلان استعدادها للقتال خارج السودان يطرح تساؤلات حول مدى علم القيادة أو موافقتها. أما إذا كانت تتحرك بهامش استقلال تنظيمي، فإن ذلك يعني وجود بنية موازية داخل المؤسسة العسكرية، بما يحمله ذلك من مخاطر على وحدة القرار.

سياسياً، يعكس الجدل الدائر صراعاً أوسع حول هوية الدولة السودانية بعد الثورة. فبينما تسعى قوى مدنية إلى إعادة بناء دولة مؤسسات تفصل بين العمل العسكري والانتماء الحزبي، يظهر التيار الإسلامي داخل الجيش باعتباره امتداداً لمشروع “التمكين” الذي هيمن على الدولة لثلاثة عقود. تصريحات الاستنفار والاصطفاف الخارجي تُقرأ في هذا السياق كمحاولة لإعادة إنتاج ذلك المشروع تحت غطاء تعبوي عسكري.

في المحصلة، يكشف التسجيل المنسوب إلى الناجي عبد الله عن حضور فاعل للتيار الإسلامي في المشهد العسكري السوداني، وعن قابلية هذا التيار لربط الصراع الداخلي بأجندات إقليمية أوسع. وبينما تتواصل الحرب وتتزايد التعقيدات السياسية، يبقى مستقبل العلاقة بين الجيش والتيارات الأيديولوجية أحد أكثر الملفات حساسية، لما يحمله من تأثير مباشر على مسار الدولة السودانية، وأمنها القومي، وعلاقاتها الإقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى