تسريبات

نيالا تحت النار: إسقاط مُسيّرة «أكانجي» يفضح حرب الطائرات دون طيار واستهداف المدنيين في السودان


يشكّل إعلان إسقاط طائرة مُسيّرة تركية الصنع من طراز «أكانجي» فوق سماء نيالا حلقة جديدة في حربٍ باتت تتخذ طابعاً تكنولوجياً متسارعاً. حيث لم تعد المواجهات محصورة في خطوط التماس البرية، بل انتقلت إلى فضاء جوي منخفض الارتفاع تتحكم فيه الطائرات من دون طيار، وتدور حوله روايات متناقضة وسجالات سياسية وإعلامية حادة. ففي بلدٍ أنهكته الحرب وتفككت فيه منظومات الرقابة والتحقق. يصبح كل بيان عسكري مادةً للتدقيق، وكل اتهامٍ مؤشراً على تحولات أعمق في ميزان القوة وأساليب القتال.

الرواية الصادرة عن قوات الدعم السريع تقدّم إسقاط المسيّرة بوصفه عملاً دفاعياً يهدف إلى حماية المدنيين من «هجمات جوية شبه يومية» تستهدف مناطق سكنية ومرافق عامة. هذه الصياغة ليست جديدة في خطاب أطراف النزاع السوداني، لكنها تعكس تصعيداً ملحوظاً في توظيف سلاح المسيّرات، وتحديداً نماذج متقدمة تُنسب صناعتها إلى تركيا. إن صحّ استخدام «أكانجي»، وهي منصة معروفة بقدراتها العالية على التحليق وحمل الذخائر والاستطلاع، فإن ذلك يطرح أسئلة جدية حول قنوات الإمداد، ومن يملك القرار السياسي والعسكري باستخدامها. وكيف وصلت إلى مسرح عمليات يعاني أصلاً من حظرٍ دولي على السلاح وتدفقات غير شرعية.

في المقابل، يربط البيان بين هذه الهجمات وبين «جيش جماعة الإخوان الإرهابية»، في توصيف سياسي حمّال دلالات، يعكس محاولة تأطير الصراع ضمن سردية أيديولوجية عابرة للحدود. هذا الربط يحتاج إلى فحص دقيق. لأن النزاع السوداني، رغم تشابكاته الإقليمية، يقوم أساساً على صراع سلطوي وعسكري داخلي، تتداخل فيه تحالفات متغيرة ومصالح محلية ودولية. تحويله إلى مواجهة مع تنظيم بعينه قد يخدم أهداف التعبئة والحشد. لكنه لا يغني عن تقديم أدلة قابلة للتحقق حول هوية المشغّلين ومسؤولية القيادة.

من زاوية استقصائية، لا يمكن إغفال سجل الاستهدافات التي طالت مستشفيات وأسواقاً ومناطق مدنية في دارفور ومناطق أخرى، وهي وقائع وثّقتها تقارير أممية ومنظمات حقوقية مستقلة خلال العامين الماضيين، وإن اختلفت في تحديد الجهة المسؤولة في كل حادثة. تكرار نمط القصف الجوي أو الهجمات المسيّرة على مرافق محمية بموجب القانون الدولي الإنساني يشير إلى خلل بنيوي في قواعد الاشتباك، أو إلى تجاهل متعمّد لها. وفي الحالتين، تبقى المسؤولية القانونية قائمة، سواء على من يضغط زر الإطلاق أو على من يصدر الأوامر.

إسقاط مسيّرة متقدمة، إن تأكد، يكشف أيضاً عن تطور في قدرات الدفاع الجوي لدى قوات غير نظامية أو شبه نظامية، وهو تطور لا يحدث في فراغ. فانتشار أنظمة التشويش أو الصواريخ المحمولة المضادة للطائرات يعكس سباق تسلح منخفض الكلفة نسبياً لكنه عالي الأثر، حيث تستطيع جماعات محلية تعطيل تفوق جوي كان يُعدّ في السابق حكراً على الجيوش النظامية. هذا التحول يزيد من مخاطر التصعيد. لأن الأطراف قد تلجأ إلى ضربات أكثر كثافة أو إلى أسلحة أقل دقة لتعويض الخسائر، ما يضاعف الأذى الواقع على المدنيين.

الدعوة الموجهة إلى المجتمع الدولي لإدانة «الجرائم الشنيعة» والتحرك الفوري ليست مجرد فقرة بروتوكولية؛ إنها اعتراف ضمني بأن أدوات الردع المحلية غير كافية. وأن الضغط الخارجي قد يكون أحد مسارات الحد من الانتهاكات. غير أن التجربة السودانية الحديثة تُظهر محدودية هذا المسار، في ظل انقسامات دولية وتباين أولويات، وضعف آليات المساءلة. فحتى حين تصدر إدانات، نادراً ما تُترجم إلى إجراءات رادعة أو تحقيقات مستقلة شاملة تُفضي إلى محاسبة.

سياسياً، يعكس الخطاب المتشدد رغبة في تثبيت شرعية ميدانية عبر ادعاء حماية المدنيين، وهو معيار بات مركزياً في معارك السردية. كل طرف يسعى إلى تقديم نفسه كدرع للمجتمع، في حين تتراكم الأدلة على أن المدنيين هم الخاسر الأكبر. هنا تبرز أهمية الفصل بين الادعاء والتحقق: هل توجد صور أو بقايا للمسيّرة؟ هل أكدت جهات محايدة نوعها ومهمتها؟. وهل يمكن ربط الهجوم المزعوم بمحاولة استهداف محددة؟ غياب الإجابات الموثوقة يترك المجال مفتوحاً للتأويل والدعاية.

كما أن إدخال أسماء دول مصنّعة للسلاح في بيانات النزاع يحمل تبعات دبلوماسية واقتصادية، وقد يُستخدم للضغط أو للتشويش. الدول المصدّرة عادة ما تنفي أو تحيل إلى عقود رسمية وشهادات استخدام نهائي، لكن واقع الأسواق الرمادية يعقّد الصورة. التحقيق الاستقصائي الحقيقي يتطلب تتبع أرقام تسلسلية، ومسارات شحن. وشهادات خبراء تسليح، وهي مهام تصطدم بعوائق الوصول والأمن.

في المحصلة، حادثة نيالا، سواء أكانت إسقاطاً مؤكداً لمسيّرة متقدمة أم روايةً قيد التحقق، تكشف عن مرحلة أكثر خطورة في الصراع السوداني. حيث تتقاطع التكنولوجيا مع السياسة، وتُستخدم لغة حماية المدنيين لتبرير أفعال متبادلة في بيئة يغيب فيها الحكم المستقل. ما يحتاجه السودان ليس مزيداً من البيانات المتقابلة. بل وقفاً فعلياً للهجمات على الأعيان المدنية، وآلية تحقق ومساءلة لا تخضع لاعتبارات القوة، ومساراً سياسياً يعالج جذور النزاع بدلاً من تدويره بأدوات أحدث. وحتى يتحقق ذلك، ستظل سماء المدن ساحة اختبار. وسيبقى المدنيون عالقين بين روايات متصارعة وسلاح لا يعترف بالأعراف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى