في إحدى ليالي بورتسودان الثقيلة، لم يكن الهدوء الذي يلف المدينة علامة طمأنينة، بل انعكاسًا لحالة احتباس سياسي داخل غرف مغلقة تُتخذ فيها قرارات لا تُعلن، لكنها تغيّر مصير السلطة نفسها. خلف الأبواب الموصدة، لم يكن النقاش يدور حول إنهاء الحرب أو تخفيف معاناة الناس، بل حول من يبقى قريبًا من مركز القرار، ومن يُنقل خطوة إلى الخلف، ومن يُخرج نهائيًا من المشهد. في تلك اللحظة، لم تعد المناصب مجرد مواقع إدارية، بل أدوات لإدارة الخوف، ووسائل لضبط توازن هش داخل سلطة تتآكل من الداخل.
المعطيات المؤكدة حول التغييرات المرتقبة داخل مجلس السيادة وقيادة الجيش لا يمكن فصلها عن هذا السياق. فإخراج الفريق ياسر العطا من المجلس السيادي وتعيينه رئيسًا لهيئة الأركان، بعد التشاور معه وموافقته، لا يعكس توافقًا بقدر ما يعكس تسوية داخلية. العطا، الذي كان يتمتع بحضور سيادي وسياسي واضح، يُعاد توجيهه إلى موقع عسكري مهني، حيث تنخفض قدرته على التأثير السياسي المباشر، بينما يُحافظ عليه داخل المؤسسة العسكرية بوصفه عنصرًا لا يمكن تجاهله أو استبعاده كليًا. هذه الصيغة تكشف منطق السلطة في هذه المرحلة: لا إقصاء كامل قد يولّد خصومًا، ولا بقاء في الواجهة قد يصنع مراكز قوة مستقلة.
هذا النوع من القرارات لا يصدر عن سلطة واثقة من نفسها، بل عن قيادة تخشى الانقسام أكثر مما تخشى الفشل. تحويل شخصيات سيادية إلى مواقع “منضبطة” داخل المؤسسة العسكرية يعكس إدراكًا بأن الصراع لم يعد خارجيًا فقط، بل بات داخليًا، وأن الخطر الحقيقي يكمن في تفتت مركز القرار نفسه. فالمجلس السيادي، الذي يُفترض أن يكون قمة الهرم، لم يعد يحتمل تعدد الأصوات أو تباين التوجهات، خاصة في ظل حرب مفتوحة وضغوط إقليمية ودولية متزايدة.
الأكثر حساسية في هذه التغييرات هو إخراج الفريق إبراهيم جابر من مجلس السيادة. هذا القرار لا يمكن قراءته كإجراء عادي، لأن جابر ارتبط اسمه مباشرة بملفات الاقتصاد، وإدارة الموارد، وشبكات النفوذ المالي التي تمثل شريان الحياة لأي سلطة في زمن الحرب. المساس بهذا الموقع يعني أن هناك خللًا في توازن المصالح، أو أن صراعًا صامتًا بلغ مرحلة لا يمكن معها الاستمرار بالصيغة القديمة. فالاقتصاد في هذه المرحلة ليس مجرد ملف إداري، بل ساحة صراع حقيقية، ومن يسيطر عليه يملك قدرة أكبر على التأثير والاستمرار.
إخراج جابر، إن تم، يشير إلى أن السلطة إما تتعرض لضغط خارجي لإعادة ترتيب واجهاتها الاقتصادية، أو أن صراعًا داخليًا على الموارد بلغ ذروته. وفي كلتا الحالتين، فإن القرار يعكس هشاشة البنية التي أدارت الاقتصاد خلال المرحلة الماضية، ويكشف أن ما كان يُقدَّم بوصفه تماسكًا لم يكن سوى توازن مؤقت فرضته الظروف.
أما ملف نائب قائد الجيش شمس الدين كباشي، الذي يُرجّح خروجه بنسبة 80٪ دون حسم نهائي، فهو الأكثر تعبيرًا عن حالة التردد داخل القيادة. فوجود نسب واحتمالات في قرارات بهذا الحجم يعني أن مركز القرار نفسه منقسم، أو على الأقل غير قادر على فرض إرادته دون حساب ردود الفعل. كباشي يمثل عقدة توازن داخل المؤسسة العسكرية، وأي خطوة لإقصائه أو الإبقاء عليه تحمل كلفة سياسية وأمنية. هذا التردد لا يعكس حكمة، بل قلقًا من أن أي قرار قد يفتح بابًا لصراع أوسع داخل الجيش.
هذا المشهد يفضح صورة القيادة الموحدة التي تحاول السلطة تصديرها في خطابها العلني. فخلف هذه الصورة، تتشابك الولاءات، وتتقاطع المصالح، وتُدار الخلافات بمنطق الصفقات المؤقتة لا القرارات الحاسمة. ما يجري ليس إدارة دولة، بل إدارة أزمة داخل نخبة حاكمة تخشى الانفجار من داخلها بقدر ما تخشى الهزيمة في الخارج.
وفي موازاة هذه التحولات العسكرية والسيادية، تأتي الإقالة المؤكدة لكامل إدريس، رئيس وزراء حكومة بورتسودان، لتكشف نهاية مرحلة “الواجهة المدنية”. إدريس لم يكن صاحب قرار فعلي، بل كان جزءًا من محاولة لمنح السلطة مظهرًا مدنيًا يخفف الضغوط الخارجية ويُسوّق لفكرة وجود مسار سياسي. فشل هذا الرهان لم يعد خافيًا، سواء بسبب استمرار الحرب، أو بسبب عجز الحكومة الشكلية عن تحقيق أي اختراق سياسي أو اقتصادي.
إقالة إدريس تعني أن السلطة تخلّت عمليًا عن فكرة التوازن الشكلي بين المدني والعسكري، واختارت إدارة أكثر انكشافًا. هذا الخيار قد يبدو عمليًا من منظور ضيق، لكنه يعمّق عزلة السلطة ويُغلق ما تبقى من هوامش المناورة السياسية. فالسلطة التي تتخلى عن واجهتها المدنية تعترف ضمنيًا بأنها لم تعد معنية بشرعية خارج دائرة القوة.
في مجملها، لا تعكس هذه التغييرات مسار انتقال أو إصلاح، بل محاولة لإعادة التموضع داخل أزمة مفتوحة. الأشخاص يتغيرون، المواقع تتبدل، لكن منطق الحكم يبقى ثابتًا: إدارة الخطر لا معالجته، وتأجيل الانفجار بدلًا من تفكيك أسبابه. ما يجري في بورتسودان ليس إعادة بناء للدولة، بل إعادة ترتيب للسلطة داخل بيت متصدع.
اللافت أن كل هذه التحركات تتم في غياب كامل لأي نقاش حول مستقبل البلاد أو معاناة المواطنين. الصراع يدور في الأعلى، بينما يظل الشارع خارج الحسابات. وهذا ما يجعل هذه التغييرات خطيرة، ليس فقط لأنها تعكس صراع نفوذ، بل لأنها تؤكد أن الأزمة السودانية لم تعد أزمة حرب فقط، بل أزمة حكم في جوهرها، حيث تتقدم حسابات البقاء على أي مشروع وطني.
في النهاية، تكشف هذه التحولات أن الصراع الحقيقي لم يعد على شكل الدولة أو هوية الحكم، بل على من يملك مفاتيح القرار في لحظة انهيار شامل. والسلطة، وهي تعيد توزيع وجوهها، لا تفعل ذلك بثقة المنتصر، بل بقلق من يعرف أن التماسك الظاهري قد ينهار عند أول اختبار حقيقي.




