من نائب الرئيس إلى رجل الظل.. ماذا جرى لمحمد عبد الرحمن حسبو بعد سقوط الإنقاذ؟
في السياسة السودانية، لا يثير الصعود السريع الدهشة بقدر ما يثيرها الاختفاء المفاجئ. فكم من مسؤول كان بالأمس القريب في قلب صناعة القرار، يحيط به الحراس والكاميرات، ثم تحول بين ليلة وضحاها إلى اسم غائب عن العناوين والأحداث.
ومن بين هذه الأسماء يبرز محمد عبد الرحمن حسبو، نائب الرئيس السابق وأحد أبرز الوجوه السياسية التي ارتبطت بالسنوات الأخيرة من حكم الإنقاذ. رجل كان يجلس في قمة هرم السلطة، ويشارك في الاجتماعات المغلقة، ويتحدث باسم الدولة في الملفات الحساسة، ثم وجد نفسه خارج المشهد بالكامل بعد سقوط النظام.
لكن السؤال الذي لا يزال مطروحاً داخل الأوساط السياسية السودانية هو: كيف وصل حسبو إلى ذلك الموقع أصلاً؟ ولماذا اختفى بهذه السرعة بعد انهيار السلطة التي منحته النفوذ؟
صناعة الرجل داخل منظومة المؤتمر الوطني
لم يكن صعود حسبو حدثاً عابراً أو نتاج صدفة سياسية.
ففي سنوات حكم المؤتمر الوطني، كانت عملية اختيار القيادات تتم وفق معادلات معقدة تجمع بين الولاء السياسي والقدرة على إدارة التوازنات الاجتماعية والقبلية والإقليمية.
داخل هذه المعادلة برز حسبو باعتباره شخصية قادرة على أداء أكثر من وظيفة في وقت واحد.
كان الرجل يمثل بالنسبة لدوائر القرار نموذجاً للمسؤول القادر على التحرك بين المركز والأقاليم، وبين العمل التنفيذي والملفات السياسية، وهو ما جعله يتقدم تدريجياً داخل مؤسسات الدولة والحزب.
ومع مرور الوقت لم يعد مجرد مسؤول حكومي، بل أصبح جزءاً من شبكة النفوذ التي أحاطت بالنظام خلال سنواته الأخيرة.
خلف أبواب السلطة
في العلن، كان حسبو يظهر باعتباره نائباً للرئيس ومسؤولاً تنفيذياً.
لكن خلف الأبواب المغلقة كانت الصورة أكثر تعقيداً.
فالنظام في سنواته الأخيرة لم يكن يدار فقط عبر المؤسسات الرسمية، بل من خلال دوائر نفوذ متشابكة تجمع بين الحزب والدولة والأجهزة المختلفة ومراكز القوى الاقتصادية والاجتماعية.
وكانت قيمة أي مسؤول تقاس بقدرته على الحركة داخل هذه الشبكات.
هنا تحديداً اكتسب حسبو ثقله السياسي.
فهو لم يكن من الشخصيات الصدامية التي تبحث عن الأضواء باستمرار، بل من السياسيين الذين يفضلون العمل داخل الغرف المغلقة، حيث تصنع التسويات وتوزع الأدوار وتحسم الخلافات.
ولهذا السبب ظل حاضراً في العديد من الملفات التي لم تكن تظهر تفاصيلها للرأي العام.
سنوات الأزمة
مع دخول السودان مرحلة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، بدأت التصدعات تظهر داخل بنية النظام نفسه.
تراجع الاقتصاد، وارتفعت معدلات الغضب الشعبي، وازدادت الضغوط السياسية في الداخل والخارج.
في تلك المرحلة أصبحت السلطة في وضع دفاعي مستمر.
وكان على القيادات العليا، بمن فيهم حسبو، أن يدافعوا عن سياسات تواجه انتقادات متزايدة من الشارع.
لكن المشكلة لم تكن فقط في الاحتجاجات.
بل في أن النظام نفسه بدأ يفقد قدرته على إنتاج حلول حقيقية للأزمات المتراكمة.
ومع كل أزمة جديدة كانت المسافة تتسع بين السلطة والشارع، بينما كانت شخصيات مثل حسبو تتحمل جزءاً من المسؤولية السياسية بحكم مواقعها القيادية.
سقوط الشبكة لا سقوط الأفراد فقط
عندما سقط نظام الإنقاذ في عام 2019، لم يسقط أفراد بعينهم بقدر ما سقطت منظومة كاملة من العلاقات والمصالح ومراكز النفوذ.
وهنا تكمن أهمية قصة حسبو.
فالرجل لم يفقد منصبه فقط، بل فقد البيئة السياسية التي صنعت نفوذه ومنحته ثقله.
فالشبكات التي كانت تربط بين الحزب والدولة انهارت.
والمؤسسات التي كانت توفر الحماية السياسية لقيادات النظام السابق فقدت قدرتها على التأثير.
والأهم من ذلك أن المزاج العام في البلاد تغير بصورة جذرية.
فالأسماء التي كانت تمثل السلطة أصبحت بالنسبة لكثيرين جزءاً من مرحلة يراد تجاوزها.
لماذا اختار الصمت؟
منذ سقوط النظام، التزم حسبو درجة لافتة من الصمت مقارنة بغيره من القيادات السابقة.
لم يقد حملة سياسية.
لم يؤسس تياراً جديداً.
ولم يظهر باستمرار في وسائل الإعلام للدفاع عن تجربته أو مهاجمة خصومه.
هذا الصمت أثار تساؤلات كثيرة.
هل كان اعترافاً ضمنياً بانتهاء دوره السياسي؟
أم أنه خيار محسوب لتجنب معارك لا يمكن كسبها؟
بعض المراقبين يرون أن حسبو أدرك مبكراً أن البيئة السياسية الجديدة لم تعد تسمح بإعادة إنتاج الأدوار القديمة، وأن البقاء بعيداً عن الأضواء أقل كلفة من خوض مواجهة مفتوحة مع واقع مختلف تماماً.
رجال السلطة بعد السلطة
تكشف تجربة حسبو حقيقة مهمة في السياسة السودانية.
فالنفوذ لا يعيش مستقلاً عن المنظومة التي تنتجه.
وخلال سنوات الإنقاذ ظهر عدد كبير من المسؤولين الذين بدوا وكأنهم شخصيات لا يمكن تجاوزها.
لكن سقوط النظام أثبت أن قوة كثير منهم كانت مرتبطة بقوة المؤسسة التي يقفون خلفها.
وعندما انهارت تلك المؤسسة تراجع حضورهم بسرعة مذهلة.
ولهذا يبدو اختفاء حسبو أقل ارتباطاً بشخصه وأكثر ارتباطاً بانهيار البيئة السياسية التي صنعت مكانته.
هل يمكن أن يعود؟
رغم الغياب الطويل، لا يمكن الجزم بأن الرجل خرج نهائياً من الحياة السياسية.
فالتاريخ السوداني مليء بعودات غير متوقعة لشخصيات اعتقد الجميع أن دورها انتهى.
لكن أي عودة محتملة تحتاج إلى ظروف مختلفة تماماً عن تلك التي أوصلته إلى السلطة في السابق.
السودان الذي عرف حسبو نائباً للرئيس ليس هو السودان الذي تشكل بعد 2019.
والساحة السياسية الحالية تعيش تحولات عميقة جعلت قواعد اللعبة مختلفة عن الماضي.
ولهذا فإن أي محاولة للعودة ستواجه أسئلة صعبة حول الإرث السياسي لتلك المرحلة وحول قدرة الوجوه القديمة على إقناع جيل جديد من السودانيين.
النهاية التي لم تكن متوقعة
ربما لا توجد قصة تلخص مصير كثير من رجال الإنقاذ مثل قصة محمد عبد الرحمن حسبو.
فالرجل الذي انتقل من مواقع النفوذ الواسع إلى الغياب شبه الكامل يمثل نموذجاً لتحولات السلطة في السودان.
كان جزءاً من دائرة الحكم العليا، ثم وجد نفسه خارج دائرة التأثير.
وكان اسمه يتردد في الاجتماعات والقرارات الكبرى، ثم أصبح حضوره نادراً في النقاشات العامة.
وبين الصعود والاختفاء تبقى حقيقة واحدة: أن السلطة مهما بدت راسخة، فإنها قد تتغير بسرعة تفوق توقعات أصحابها، وأن رجالها غالباً ما يكتشفون بعد سقوطها أن النفوذ الذي بدا دائماً لم يكن سوى انعكاس لقوة النظام الذي منحهم مكانتهم.




