لماذا أصبح السودان ساحة لتقاطع المصالح المصرية-التركية؟
لم يعد الصراع في السودان مجرد مواجهة داخلية بين أطراف محلية تتنازع السلطة، بل تحوّل تدريجيًا إلى ساحة اختبار لتوازنات إقليمية جديدة، تُدار بأدوات تكنولوجية متقدمة وبقرارات تُتخذ خارج حدود الدولة المنكوبة. في هذا السياق، جاء التحقيق الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز حول وجود قاعدة جوية مصرية سرية لتشغيل طائرات مسيّرة تركية الصنع، ليكشف عن طبقة أعمق من الحرب، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالسياسة الخارجية، وتُستخدم التكنولوجيا كوسيلة نفوذ صامتة.
-
شرق العوينات في قلب الحرب السودانية: كيف انتقل الدور المصري من الوساطة إلى إدارة الصراع من الخلف
-
مصر وليبيا على صفيح ساخن… السودان يفاقم الخلافات
الحديث عن قاعدة في شرق العوينات لا يمكن فصله عن الموقع الجيوسياسي لمصر في معادلة السودان. فالقاهرة تنظر إلى السودان بوصفه عمقًا استراتيجيًا لا يحتمل الفوضى، سواء لأسباب أمنية تتعلق بالحدود الجنوبية، أو لأسباب سياسية مرتبطة بتوازنات حوض النيل. ومن هذا المنطلق، يصبح أي تطور ميداني في السودان مسألة أمن قومي مصري قبل أن يكون شأنًا خارجيًا.

لكن ما يلفت الانتباه في المعطيات التي كشفها التحقيق ليس فقط طبيعة الدعم، بل شكله. فبدل التدخل التقليدي أو الإعلان عن دعم سياسي وعسكري مباشر، تشير المعطيات إلى نمط أكثر تعقيدًا وهدوءًا: إدارة عمليات جوية بواسطة طائرات غير مأهولة، من عمق الأراضي المصرية، وبشراكة تقنية تركية. هذا النموذج يعكس تحوّلًا في طريقة ممارسة النفوذ، حيث تُفضَّل الأدوات منخفضة الكلفة السياسية، عالية التأثير العسكري.
-
السودان في قلب اللغز: ماذا تكشف رحلات الشحن العسكرية التركية إلى جنوب شرق مصر؟
-
رحلات غامضة من تيكيرداغ إلى صحراء مصر… ماذا تحمل طائرات الشحن التركية؟
المسيّرات، في هذا السياق، لم تعد مجرد سلاح، بل أداة سياسية بامتياز. فهي تتيح تغيير موازين القوى على الأرض دون إرسال جنود، وتمنح القدرة على الضغط والتأثير دون الظهور في الواجهة. هذا ما يجعل استخدامها مغريًا لدول تسعى إلى لعب أدوار إقليمية نشطة مع الحفاظ على هامش إنكار واسع.
الدور التركي يندرج بدوره ضمن استراتيجية أوسع لأنقرة في توظيف الصناعات الدفاعية كمدخل للنفوذ الخارجي. فنجاح المسيّرات التركية في نزاعات متعددة منحها سمعة قتالية، وجعلها عنصر جذب لدول تبحث عن حلول عسكرية فعالة دون الارتهان الكامل للقوى الكبرى. وفي الحالة السودانية، يبدو أن تركيا وجدت فرصة لتعزيز حضورها في أفريقيا عبر شراكة مع دولة محورية مثل مصر.
-
مصر تدعو لهدنة إنسانية وتنفيذ خارطة الرباعية لسلام السودان
-
في خضم الحرب السودانية: تحقيق حول الدور المصري المزعوم وتداعياته على المدنيين والاستقرار الإقليمي
هذا التقاطع بين القاهرة وأنقرة يحمل دلالات سياسية عميقة. فالعلاقات بين البلدين شهدت لسنوات توترًا حادًا، لكن التطورات الإقليمية دفعت الطرفين إلى إعادة ترتيب الأولويات. وإذا كانت الخلافات الأيديولوجية قد حكمت المرحلة السابقة، فإن البراغماتية الأمنية تبدو اليوم هي العنوان الأبرز، خاصة في ملفات تمس الاستقرار الإقليمي المباشر.
من زاوية عسكرية، يمنح هذا الدعم الجيش السوداني تفوقًا نوعيًا، لكنه في الوقت نفسه يربطه بشكل أوثق بأجندات داعميه. فالقدرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، تُدار من خارج البلاد، تعني أن قرار التصعيد أو التهدئة لم يعد محصورًا بالكامل داخل الخرطوم. وهذا الواقع قد يفرض قيودًا على أي مسار سياسي مستقبلي، إذ يصبح وقف العمليات مرتبطًا بحسابات أطراف خارجية.
-
خيوط الحرب الخفية: تحقيق في الدور المصري المزعوم داخل السودان وتأثيره على الميدان والإنسان
-
حرب لا تخصّ المصريين: لماذا يتحمّل السودان ثمن التدخلات الإقليمية والأزمة الاقتصادية المصرية
أما على مستوى القانون الدولي، فإن هذا النموذج من التدخل يطرح إشكاليات غير محسومة. فالحروب بالوكالة التي تُدار عبر المسيّرات تتجاوز كثيرًا من الأطر التقليدية للمساءلة. لا قوات على الأرض، ولا بيانات رسمية، ولا اعتراف مباشر. ومع ذلك فإن الأثر العسكري والسياسي قائم. هذا الوضع يخلق فراغًا قانونيًا تستفيد منه الدول الفاعلة. لكنه يضعف في المقابل منظومة القانون الدولي برمتها.
ردود الفعل الدولية، كما يظهر حتى الآن، تتسم بالحذر الشديد. فالقوى الكبرى تراقب المشهد دون اندفاع نحو الإدانة أو التصعيد، ربما إدراكًا منها لتعقيد الملف، أو خشية من فتح باب يُستخدم لاحقًا ضدها في نزاعات أخرى. لكن هذا الصمت لا يعني القبول بل يعكس توازنًا دقيقًا بين المصالح والمبادئ.
-
مصر والحرب السودانية: دعم عسكري صامت يعيد رسم خرائط النفوذ
-
التدخل المصري في السودان: دعم الجيش أم تعزيز النزاع؟
في المحصلة، يكشف هذا الملف عن تحول جوهري في طبيعة الصراعات الإقليمية. لم تعد القوة تُمارس فقط عبر الجيوش والبيانات، بل عبر منصات غير مأهولة. تُدار من قواعد سرية، وتُبرَّر بخطاب الاستقرار والأمن. السودان، في هذه المعادلة، ليس سوى ساحة تتقاطع فوقها حسابات أكبر، حيث تتحول المسيّرات إلى لغة سياسة خارجية. وتصبح الحروب أقل ضجيجًا، لكنها أكثر تعقيدًا وخطورة.
-
رحلة القصف في 2 يوليو: أدلة بصرية تكشف تورطاً جوياً مصرياً داخل السودان
-
خطوة تنظيمية جديدة.. مصر تعتمد قوائم سفر محدّثة للطلاب السودانيين




