تسريبات

كيف تُدار الحرب السودانية من عمق الصحراء المصرية؟


في توقيت بالغ الحساسية، فجّر تحقيق استقصائي نشرته صحيفة نيويورك تايمز جدلًا واسعًا حول الدور الإقليمي الخفي في الحرب السودانية. بعدما كشف عن أدلة تشير إلى وجود قاعدة جوية مصرية سرية في منطقة شرق العوينات، تُستخدم – وفق التحقيق – لتشغيل طائرات مسيّرة تركية متطورة لصالح الجيش السوداني. التحقيق لم يقدّم مجرد معطيات تقنية، بل فتح ملفًا معقدًا تتقاطع فيه السياسة بالأمن، والتكنولوجيا بالسيادة. والصمت الرسمي بالعمل العسكري غير المعلن.

التحقيق استند إلى صور أقمار صناعية عالية الدقة، وتحليل خبراء عسكريين. ومصادر استخباراتية غربية، لرسم صورة متكاملة عن نشاط غير اعتيادي في منطقة نائية من الصحراء الغربية المصرية. هذه المنطقة، البعيدة عن أي رقابة مدنية أو إعلامية. شهدت – بحسب التقرير – أعمال تطوير في مدارج جوية وبنية تحتية تتوافق مع متطلبات تشغيل طائرات مسيّرة ثقيلة بعيدة المدى. وليس مجرد طائرات استطلاع محدودة.

ما يلفت الانتباه في هذه المعطيات ليس فقط وجود منشأة جوية غير معلنة. بل توقيت نشاطها المتزامن مع تصاعد الضربات الجوية الدقيقة داخل السودان. خلال الأشهر الماضية، رُصدت عمليات استهداف نوعية لمواقع عسكرية لقوات الدعم السريع، اتسمت بدقة عالية ومدى يتجاوز قدرات الطيران المسيّر المعروف بامتلاكه داخل السودان. هذا التناقض دفع مراقبين عسكريين إلى طرح سؤال جوهري: من أين تُدار هذه العمليات؟

وفق التحقيق، فإن الإجابة تقود إلى شرق العوينات. اختيار هذا الموقع لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة حسابات أمنية دقيقة. فإدارة المسيّرات من داخل الأراضي السودانية كانت ستعرّضها لخطر الاستهداف أو الاختراق. بينما يوفر العمق المصري بيئة أكثر أمانًا للتحكم والتشغيل والصيانة، مع هامش إنكار سياسي أوسع في حال انكشاف الأمر.

المسيّرات المستخدمة، بحسب التقرير، هي من طراز “أكنجي” التركية، وهي من أكثر الطائرات غير المأهولة تطورًا في العالم. هذه الطائرات قادرة على التحليق لأكثر من 24 ساعة، وتحمل ذخائر دقيقة التوجيه، وتنفيذ مهام استطلاع وهجوم في آن واحد. استخدام هذا النوع من المسيّرات في السودان يمثل تصعيدًا نوعيًا في طبيعة الحرب. وينقلها من مواجهة داخلية تقليدية إلى ساحة اختبار للتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.

الدور التركي في هذا الملف لا يقل تعقيدًا. فتركيا، التي راكمت خبرة كبيرة في تشغيل المسيّرات في نزاعات مثل سوريا وليبيا وأذربيجان، لا تُتهم فقط بتزويد المعدات، بل – وفق التحقيق – بتقديم دعم تقني ولوجستي مباشر. هذا الدعم قد يشمل التدريب، والصيانة، وأنظمة التحكم. وربما حتى الإشراف غير المباشر على بعض العمليات، في إطار شراكة أمنية غير معلنة.

هذا التعاون المفترض يعكس تحوّلًا لافتًا في العلاقات المصرية-التركية. فبعد سنوات من التوتر السياسي الحاد، شهدت العلاقات بين البلدين تقاربًا تدريجيًا في السنوات الأخيرة. وإذا صحت معطيات التحقيق. فإن ملف السودان قد يكون أحد المجالات التي اختُبر فيها هذا التقارب عمليًا، بعيدًا عن الأضواء والتصريحات الرسمية.

من الجانب السوداني، يضع هذا الدعم الجوي غير المعلن الجيش السوداني في موقع متقدم ميدانيًا، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حساسة حول استقلال القرار العسكري. فإدارة جزء من العمليات الجوية من خارج الحدود تعني عمليًا .أن مسار الحرب لم يعد شأنًا داخليًا خالصًا، بل بات مرتبطًا بحسابات إقليمية أوسع.

قانونيًا، يفتح هذا الملف منطقة رمادية خطيرة. فتنفيذ عمليات عسكرية داخل دولة انطلاقًا من أراضي دولة أخرى قد يُفسَّر كنوع من التدخل المباشر. حتى لو تم بطلب من طرف في النزاع. ويشير خبراء قانون دولي إلى أن هذا النمط من العمليات قد يعرّض الدول المعنية لمسؤوليات قانونية، خاصة إذا نتجت عنه خسائر مدنية أو انتهاكات للقانون الإنساني الدولي.

اللافت أن ردود الفعل الرسمية على التحقيق اتسمت بالصمت. لا نفي صريح ولا تأكيد، وهو ما يراه مراقبون جزءًا من استراتيجية احتواء إعلامي، تعتمد على ترك القصة تفقد زخمها بمرور الوقت. غير أن نشر التحقيق في صحيفة بحجم نيويورك تايمز يجعل من الصعب تجاهله أو دفنه سريعًا.

في المحصلة، لا يقدّم هذا التحقيق إجابات نهائية بقدر ما يفتح بابًا واسعًا للأسئلة. لكنه يكشف بوضوح أن الحرب في السودان لم تعد تُدار فقط من داخل حدوده، بل أصبحت ساحة لتقاطع مصالح إقليمية تُستخدم فيها أحدث أدوات الحرب، بعيدًا عن الرقابة والمساءلة. شرق العوينات، كما يبدو، لم يعد مجرد نقطة منسية في الصحراء، بل عقدة مركزية في حرب تُدار من الظل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى