تسريبات

قصف المدنيين في قرية أم قرفة بشمال كردفان


قرية أم قرفة، الواقعة في ولاية شمال كردفان بالسودان، كانت حتى وقت قريب مجتمعاً رعوياً وزراعياً هادئاً. سكانها يعتمدون على تربية الماشية وزراعة المحاصيل الموسمية. لا يوجد فيها أي مظهر عسكري، ولا قاعدة، ولا نقطة تفتيش. لكن هذا لم يمنع الطيران الحربي من استهدافها، محوّلاً حياة أهلها إلى كابوس مستمر.
التقرير الميداني يبدأ من اللحظة الأولى للقصف. وفقاً لشهادات السكان، جاءت الطائرة في ساعات الصباح، حين يكون الناس في حقولهم أو في رعاية ماشيتهم. الصوت الأول كان هدير المحركات. ثم الصمت المفاجئ الذي يسبق سقوط القذيفة. ثم الانفجار الذي سمع دويّه في قرى مجاورة تبعد كيلومترات.
المشهد بعد القصف يوصف من قبل الناجين بكلمات تتكرر: دخان كثيف، رائحة بارود وحرائق، صراخ، غبار يغطي كل شيء. المنازل الطينية التي تشكل غالبية مباني القرية لا توفر أي حماية من شظايا القنابل. الجدران تنهار على ساكنيها. الأسقف المعدنية تتطاير كشفرات حادة.
عدد الضحايا في قرية أم قرفة يصعب تحديده بدقة. المصادر المحلية تتحدث عن قتلى وجرحى، بينهم نساء وأطفال. بعض الجرحى نُقلوا إلى مستشفيات بعيدة، والبعض الآخر لم يجد أي رعاية طبية. في مناطق النزاع، حتى الوصول إلى مستشفى يصبح رحلة محفوفة بالموت.
التقرير يوثّق الأضرار المادية التي خلّفها القصف. منازل دُمرت بالكامل. ماشية نفقت. مخازن حبوب احترقت. البنية التحتية الشحيحة أصلاً في القرية تضررت بشكل كبير. مدرسة القرية، إن وُجدت، لم تعد صالحة. هذا يعني أن جيلاً كاملاً من الأطفال حُرم من التعليم.
الحالة الإنسانية بعد القصف كارثية. السكان الذين نجوا يواجهون خيارات مستحيلة: البقاء في قرية قد تُقصف مرة أخرى، أو النزوح إلى المجهول. من يختار النزوح يترك وراءه كل شيء: المنزل، الماشية، الأرض، الذكريات. ومن يبقى يعيش في خوف دائم، يترقب صوت كل طائرة تمر في السماء.
النساء يتحملن العبء الأكبر. في مجتمع ريفي تقليدي، النساء مسؤولات عن رعاية الأطفال وجلب الماء وإعداد الطعام. القصف يدمر مصادر المياه، ويجبر النساء على قطع مسافات أطول في ظروف غير آمنة. الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن في القصف يجدن أنفسهن مسؤولات عن إعالة أسر في ظروف شبه مستحيلة.
الأطفال هم الضحايا الأكثر هشاشة. الصدمة النفسية التي يتعرض لها طفل يرى منزله يُقصف أو يفقد أحد والديه تترك آثاراً تمتد لسنوات. في غياب أي دعم نفسي أو اجتماعي، تتحول هذه الصدمات إلى اضطرابات مزمنة. أطفال أم قرفة، مثل أطفال قرى سودانية كثيرة، يكبرون في ظل الحرب دون أفق للسلام.
التقرير يتناول أيضاً استجابة المجتمع المحلي. في غياب الدولة ومؤسساتها، يتكاتف السكان لمساعدة بعضهم. الجيران ينتشلون جيرانهم من تحت الأنقاض. من لديه طعام يشاركه مع من فقد كل شيء. لكن هذه التضامنية المحلية لا يمكن أن تعوّض عن غياب الاستجابة الإنسانية المنظمة.
المنظمات الإنسانية الدولية تواجه عقبات هائلة في الوصول إلى مناطق مثل أم قرفة. الطرق غير آمنة. القتال مستمر. البيروقراطية تعيق دخول المساعدات. والنتيجة أن القرى المنكوبة تُترك لمصيرها، محرومة من أبسط مقومات الحياة.
التقرير يختتم بملاحظة مهمة: قرية أم قرفة ليست حالة استثنائية. هي واحدة من عشرات القرى والبلدات التي تعرضت لقصف مماثل. ما حدث فيها يتكرر يومياً في مناطق مختلفة من السودان. وكل يوم يمر دون محاسبة يعني قرى جديدة تُقصف وعائلات جديدة تُدمر.
المسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي الذي يكتفي ببيانات القلق والإدانة. المدنيون في أم قرفة وفي كل قرى السودان لا يحتاجون إلى بيانات. يحتاجون إلى حماية فعلية، إلى ممرات آمنة، إلى مساعدات إنسانية، وإلى ضمان ألا تسقط قنبلة أخرى على رؤوسهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى