تسريبات

حسبو محمد عبد الرحمن من نائب رئيس الكيزان إلى الاختفاء


يُمثل المشهد السياسي السوداني المعاصر مختبراً حياً لدراسة التحولات الجذريّة التي تصيب القيادات الحزبية عند المنعطفات التاريخية الكبرى. من بين هذه الشخصيات، يبرز اسم الأستاذ حسبو محمد عبد الرحمن، الرجل الذي تسلق هرم السلطة في عهد النظام السابق، ليصل إلى منصب نائب رئيس الجمهورية ونائب الأمين العام للحركة الإسلامية. لكن هذا الصعود الذي استند إلى الولاء التنظيمي المتين، انتهى بتبدل جذري في المواقف تلاه غياب شبه تام عن الساحة السياسية، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول طبيعة التحالفات والمصائر السياسية في السودان.
تدرج حسبو في دهاليز حزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقاً، ممتطياً قطاع العمل الطوعي والإنساني من خلال رئاسته لمفوضية العون الإنساني. شكلت هذه المحطة ركيزة أساسية مكنته من بناء شبكة علاقات واسعة، ليتولى بعدها ملفات تنظيمية وأمنية حساسة في دارفور ومركز القرار بالخرطوم. في أواخر عام 2013، عُين نائباً لرئيس الجمهورية ضمن خطة لإجراء تغييرات في الطاقم الرئاسي. كان يُنظر إليه حينها كأحد الوجوه الصلبة للتنظيم الإسلامي (الكيزان)، والمعبّر عن التوازنات الجهوية والقبلية الإستراتيجية لمساندة السلطة المركزية.
نقطة التحول المفصلية بدأت مع تصدع النظام القديم بفعل حراك ديسمبر 2019. لم يستطع التيار التنظيمي الحفاظ على وحدته الصلبة؛ ومع انفجار الصراع المسلح اللاحق، بدأت تطفو على السطح تباينات عميقة في مواقف القيادات. اختار حسبو محمد عبد الرحمن اتخاذ مسار مغاير لتوجهات رفاق الأمس، وأبدى مواقف اعتُبرت انحيازاً لأطراف مناهضة للجيش والمؤسسة العسكرية.
أدى هذا التحول إلى رد فعل حاسم من مؤسساته القديمة؛ ففي منتصف عام 2024، أصدر مجلس شورى الحركة الإسلامية قراراً رسمياً بفصله وإسقاط عضويته، واصفاً مواقفه بالانحراف عن مبادئ التنظيم. هذا الإجراء لم يكن مجرد عقوبة تنظيمية، بل كان إعلاناً بانتهاء الغطاء السياسي للرجل.
عقب هذه التطورات الميدانية والسياسية المتلاحقة، تراجع حضور حسبو بشكل متسارع، ودخل في حالة اختفاء تدريجي عن المنصات الإعلامية وأروقة صناعة القرار. يعزو المراقبون هذا الغياب إلى فقدانه للقواعد الحزبية التي صنعت نجوميته، بجانب التحديات القانونية والسياسية التي تحيط بالرموز السابقة، مما جعل الابتعاد والتواري الخيار الوحيد المتاح في ظل استقطاب حاد لا يقبل المواقف الرمادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى