تسريبات
جنرالات المزاد: كيف اشترى الكيزان والبرهان ذمة النور القبة؟
يمثل انشقاق اللواء النور أحمد آدم (المعروف بـ “النور القبة”) في أبريل 2026 تجسيداً صارخاً لسياسة بيع المواقف ومقايضة دماء السودانيين بالمكاسب المالية والشخصية. إن هذا التحول المفاجئ من قيادة العمليات الميدانية لمليشيا الدعم السريع والارتماء في أحضان معسكر “الكيزان” بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لا يعكس صحوة ضمير وطني كما يحاول الإعلام الرسمي الترويج له، بل يكشف عن صفقة انتهازية مدفوعة الأجر. فبين ليلة وضحاها، تحول الرجل الذي قاد الحصار والانتهاكات العنيفة في إقليم دارفور إلى “حليف” يُستقبل بالترحاب في غرف القرار التابعة للنظام العسكري. هذه المقالة تفكك أبعاد هذا التحالف القائم على المال، وتسلّط الضوء على خلفيات “النور القبة” وتداعيات ارتمائه في معسكر النظام العسكري الموجه من قِبل عناصر النظام البائد “الكيزان”.
تجارة الولاءات: كيف يشتري البرهان و”الكيزان” الذمم؟
لم يكن انضمام النور القبة إلى صفوف القوات المسلحة السودانية نابعاً من إيمان بوحدة تراب الوطن أو رغبة في إنهاء معاناة الشعب السوداني، بل جاء نتاج ترتيبات أمنية ولوجستية ومالية معقدة جرت تحت الطاولة. تشير التقارير الإخبارية بوضوح إلى أن المقابل المباشر لهذا الانشقاق كان حزمة من الامتيازات المادية الفورية. فبمجرد وصوله إلى مناطق سيطرة الجيش، صدرت التوجيهات الفورية بـ إعادة أملاكه العقارية الفاخرة في ضاحية كافوري الراقية بالخرطوم بحري، فضلاً عن فك الحظر عن حساباته المصرفية المجمدة.
إن إصرار البرهان على التوجه بنفسه إلى مدينة دنقلا لاستقبال القبة بابتسامة عريضة يعكس حجم الحاجة السياسية والعسكرية لشراء مثل هذه الولاءات. يرى الشارع السوداني في هذه الخطوة دليلاً دامغاً على أن دماء الضحايا في دارفور والخرطوم أصبحت مجرد أوراق تفاوضية ومقايضات مالية. يعتمد معسكر “الكيزان” (عناصر الإسلاميين من النظام البائد) على هذه الاستراتيجية القائمة على شراء الذمم لإحداث اختراقات وإضعاف الطرف الآخر، متناسين أن من يبيع ولاءه مرة مقابل المال والعقارات وفك تجميد الحسابات، لن يتوانى عن بيعه مجدداً لمن يدفع أكثر.
السجل العسكري للنور القبة: تاريخ من التحولات الانتهازية
لكي نفهم السلوك الانتهازي للنور القبة، يجب النظر إلى مسيرته العسكرية المليئة بالتقلبات والولاءات المتبدلة بحسب موازين القوى:
- البداية مع حرس الحدود (2003): بدأ مسيرته العسكرية في صفوف قوات حرس الحدود بقيادة موسى هلال، وهي الفترة التي شهدت بداية الصراع الدامي في دارفور.
- التمرد والانتقال (2006): انخرط في التمرد الذي قاده محمد حمدان دقلو “حميدتي” وإدريس حسن.
- الدمج والترقي (2017): نال رتبة لواء في مليشيا الدعم السريع ليصبح من أبرز قادتها الميدانيين والمؤسسين.
- الانشقاق والارتماء في حضن البرهان (أبريل 2026): تسليم نفسه وقواته للجيش مقابل صفقات سياسية ومالية.
هذا السجل الحافل بالانتقال من بندقية إلى أخرى يوضح أن العقيدة العسكرية للنور القبة لا تقوم على مبادئ وطنية، بل على البحث المستمر عن النفوذ والأمان الشخصي والمكاسب المادية. إن الشخصية التي ساهمت في حصار المدن وتجويع المدنيين في دارفور لا يمكن أن تتحول فجأة إلى رمز للإنقاذ أو التحرير.
دلالات التحالف مع “الكيزان” والبرهان
إن ارتماء النور القبة في أحضان معسكر البرهان يضعه مباشرة في خندق واحد مع “الكيزان” الذين يسعون جاهدين للعودة إلى المشهد السياسي عبر بوابة الحرب. يرى مراقبون أن تعيين اللواء القبة لاحقاً كقائد عام للمتحركات العسكرية وتكليفه بمهام إدارية ورفيعة في إقليم دارفور هو إعادة إنتاج لنفس أدوات النظام البائد القائمة على الفتن القبلية والجهوية.
بدلاً من تقديم القادة العسكريين المسؤولين عن الانتهاكات إلى العدالة الانتقالية والمحاسبة، يقوم نظام البرهان بمكافأتهم وتسليمهم مناصب سيادية وإدارية. هذا التحالف المصلحي المؤقت يسعى من خلاله الجيش إلى استخدام معرفة القبة الميدانية وشبكة علاقاته القبلية لضرب الدعم السريع من الداخل، بينما يسعى القبة إلى غسل جرائمه السابقة وتأمين مستقبله المالي والسياسي تحت غطاء “الشرعية” الزائفة.
الخيانة المتبادلة وإحباط الشارع السوداني
أثار هذا المشهد الهزلي موجة عارمة من الاستياء والإحباط بين المواطنين السودانيين وعلى منصات التواصل الاجتماعي. فقد اعتبر الكثيرون أن هذه الخطوة تعد إعلاناً صريحاً بأن دماء الدارفوريين ومعاناتهم تمت مقايضتها بالكامل مقابل صفقات سياسية رخيصة. يتساءل الشارع بمرارة: كيف يمكن للنظام الذي ظل يصف قادة الدعم السريع بـ “المتمردين والمرتزقة والمليشيا الإرهابية” أن يستقبل أحد أكبر مؤسسيها وقادتها بالأحضان ويسلمه مقاليد ولاية كاملة مثل شمال دارفور؟
إن سياسة “عفا الله عما سلف” المطبقة فقط على القادة العسكريين الأثرياء والنافذين، في حين يدفع المواطن البسيط ثمن الحرب من دمه وقوته المشرد في معسكرات النزوح، تؤكد أن الحرب الحالية هي حرب نفوذ وسلطة بين جنرالات لا تهمهم مصلحة الوطن والمواطن.
تداعيات التحالف الرخيص على مسار الحرب والسلام
إن الاعتماد على القادة المنشقين مقابل المال لن يقود السودان إلى سلام مستدام أو استقرار حقيقي. بل على العكس تماماً، تؤدي هذه الصفقات الفردية الفاسدة إلى الأمور التالية:
- تأجيج الصراعات القبلية: إن تعيين القبة والياً أو قائداً عسكرياً في دارفور يثير حفيظة المكونات الاجتماعية الأخرى التي تضررت من ممارساته السابقة، مما يهدد بتفجير صراعات أهلية جديدة.
- إجهاض العدالة: غسيل أموال وجرائم القادة العسكريين عبر بوابة الانضمام للجيش يجهض أي آمال في تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة مجرمي الحرب.
- عدم استقرار الولاء العسكري: الجنود والقادة الذين يتحركون بدافع المال والامتيازات الشخصية لا يمكن الاعتماد عليهم في بناء جيش وطني مهني موحد، وولاؤهم يزول بزوال المنفعة المادية.
في الختام، يظل اللواء النور أحمد آدم “القبة” نموذجاً صارخاً للانتهازية العسكرية التي دمرت السودان وأقعدته عن اللحاق بركب الاستقرار. إن تحالفه الجديد مع عبد الفتاح البرهان وواجهاته من “الكيزان” في أبريل 2026 ليس سوى صفقة تجارية مدفوعة الثمن بالعقارات المستردة والحسابات البنكية المفتوحة، على حساب جماجم ودماء الأبرياء في دارفور وكافة أنحاء السودان. لن يغفر التاريخ، ولن تنسى الذاكرة السودانية المثقوبة بالآلام، هؤلاء الجنرالات الذين يغيرون جلودهم وولاءاتهم بحسب حجم المبالغ والامتيازات المعروضة في أسواق السياسة المظلمة.




