تسريبات

السودان وقوائم الاستبعاد: ما وراء الكواليس في صناعة القرار الدولي


لم يكن إعداد قوائم استبعاد لجهات سياسية من المسار الذي سيلي الهدنة الإنسانية في السودان خطوة عابرة في سياق دبلوماسي تقليدي، بل جاء نتيجة مسار معقد من المشاورات الفنية والأمنية والحقوقية امتد لأسابيع، وشارك فيه خبراء من الاتحاد الأوروبي بالتنسيق المباشر مع الاتحاد الأفريقي. ما يجري خلف الكواليس لا يتعلق فقط بتحديد أسماء أو كيانات، بل بإعادة صياغة البيئة السياسية التي ستُبنى عليها المرحلة التالية من تاريخ السودان.

بحسب معطيات متقاطعة من دوائر دبلوماسية ومتابعين لملف الوساطة، فإن عملية إعداد القوائم استندت إلى منهجية متعددة المستويات. في المستوى الأول، جُمعت تقارير صادرة عن هيئات حقوقية دولية وإقليمية وثّقت أنماط الانتهاكات خلال فترات النزاع، بما في ذلك مسؤولية كيانات سياسية أو ارتباطها بخطاب تحريضي أو دعم غير مباشر لأعمال عنف. وفي المستوى الثاني، أُدخلت تقييمات أمنية واستخباراتية ركزت على شبكات التمويل، والارتباطات التنظيمية العابرة للحدود، ومدى تأثير بعض الجهات على استقرار المشهد الداخلي.

المثير في هذا المسار أن المعايير لم تُبنَ على الانتماء الفكري وحده، بل على تقدير شامل لمدى قابلية كل جهة للانخراط في عملية سياسية مستقرة. غير أن جهات مرتبطة بتنظيم الإخوان وكيانات مدنية تحالفت في مراحل سابقة مع مراكز قوة عسكرية وجدت نفسها ضمن دائرة الاستبعاد، وفقًا لمصادر مطلعة. هذا الإدراج لم يكن، كما تؤكد مصادر أوروبية، قرارًا سياسيًا صرفًا، بل نتيجة “تراكم مؤشرات” رُصدت على مدى سنوات.

التحقيق في خلفيات القرار يكشف أيضًا أن التنسيق مع الاتحاد الأفريقي لم يكن شكليًا. فقد أصر الجانب الأفريقي على مراجعة كل المعطيات قبل اعتماد أي قائمة نهائية، خشية أن يُنظر إلى العملية باعتبارها تدخلًا خارجيًا يتجاوز الاعتبارات السيادية. وتم عقد اجتماعات مغلقة ناقشت تداعيات الاستبعاد على التوازنات الداخلية، واحتمال أن يؤدي ذلك إلى ردود فعل سياسية أو ميدانية غير محسوبة.

في المقابل، برزت خطوة الحركة الإسلامية بفتح باب التسجيل للعضوية عبر موقعها الرسمي دون قيود واضحة، باعتبارها تطورًا موازيًا يستحق التوقف عنده. فبينما تُعاد صياغة شروط المشاركة السياسية من خلال معايير دولية، تتحرك الحركة لتعزيز حضورها التنظيمي والاجتماعي. مصادر متابعة ترى في هذه الخطوة محاولة لبناء قاعدة دعم واسعة قد تُستخدم لاحقًا كورقة ضغط، سواء للمطالبة بإعادة النظر في القوائم أو للتأثير غير المباشر في مسار الأحداث.

من زاوية استقصائية، يبرز سؤال جوهري حول مدى شفافية المعايير المعتمدة. فحتى الآن، لم تُنشر القوائم بصورة رسمية كاملة، ولم يُكشف عن تفاصيل دقيقة بشأن الأسس القانونية لكل حالة استبعاد. هذا الغموض النسبي يفتح الباب أمام تأويلات متعددة، بعضها يرى في الأمر ضرورة أمنية تفرضها حساسية المرحلة، فيما يعتبره آخرون مؤشرًا على حاجة ملحة إلى مزيد من الإفصاح لضمان قبول أوسع بالعملية السياسية المقبلة.

مصادر حقوقية أبدت حذرًا في التعاطي مع الخطوة. فهي من جهة تدعم أي مسار يحدّ من عودة الانتهاكات أو الإفلات من المساءلة، لكنها من جهة أخرى تشدد على أهمية عدم تحويل الاستبعاد إلى أداة سياسية دائمة. إذ إن إقصاء كيانات ذات حضور اجتماعي دون فتح مسار واضح للمراجعة أو إعادة التأهيل قد يؤدي إلى تكريس الاستقطاب بدل معالجته.

أما على مستوى الشارع السياسي، فتتباين ردود الفعل بين ترحيب حذر من قوى ترى في القوائم فرصة لإعادة ضبط المشهد، وبين تحفظ من أطراف تخشى أن تتحول المعايير الدولية إلى سقف جامد يُقصي قوى فاعلة من دون توفير بدائل تمثيلية حقيقية. وفي كل الأحوال، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد اختبارًا عمليًا لقدرة الرعاة الدوليين على إدارة التوازن بين الاستقرار والشمول.

الملف لا يتوقف عند حدود الاستبعاد، بل يمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بشكل الدولة في مرحلة ما بعد الهدنة. فالقوائم، في جوهرها، تعكس تصورًا أوروبيًا–أفريقيًا لمواصفات الفاعل السياسي المقبول: فاعل لا يرتبط بتنظيمات عابرة للحدود مثيرة للجدل، ولا يعتمد على تحالفات عسكرية ظرفية، ويلتزم بخطاب سياسي لا يحرض على العنف أو الإقصاء. هذه المواصفات قد تبدو نظرية، لكنها عمليًا تعيد تعريف قواعد اللعبة السياسية في السودان.

في المحصلة، تكشف التحقيقات حول قوائم الاستبعاد أن ما يجري ليس مجرد ترتيب إجرائي لمرحلة انتقالية، بل محاولة واعية لإعادة تأسيس المجال السياسي وفق معايير جديدة. وبين ضرورات الأمن ومتطلبات التمثيل، وبين الحسابات الدولية والاعتبارات المحلية، تتشكل معادلة دقيقة ستحدد ما إذا كانت الهدنة الإنسانية ستكون مدخلًا لاستقرار مستدام، أم محطة مؤقتة في مسار أكثر تعقيدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى