تسريبات

السودان بين الهدنة وإعادة التموضع: قراءة في موازين القوى بعد القوائم الأوروبية


مع اقتراب إعلان الهدنة الإنسانية، لم يعد السؤال في السودان متعلقًا بوقف إطلاق النار بقدر ما أصبح مرتبطًا بشكل المرحلة السياسية التي ستليها. فالتحرك الأوروبي الأخير بإعداد قوائم للجهات التي ستُستبعد من العملية السياسية، بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي، لا يمكن فهمه بوصفه خطوة إجرائية فحسب، بل باعتباره مدخلًا لإعادة تشكيل موازين القوى داخل المشهد السوداني وفق معايير جديدة تتجاوز الحسابات المحلية الضيقة.

التحليل الاستراتيجي لهذه الخطوة يكشف أن الاتحاد الأوروبي لا يسعى فقط إلى ضمان هدنة مستقرة، بل إلى منع إعادة إنتاج الأزمة عبر إعادة تمكين الفاعلين أنفسهم الذين أسهموا في تعقيد المشهد سابقًا. فالقوائم، بحسب المعطيات المتداولة، شملت جهات مرتبطة بتنظيم الإخوان، إلى جانب أطراف مدنية تحالفت مع مراكز قوة عسكرية سواء داخل مؤسسات الدولة أو خارجها. هذا التوسّع في تعريف “الجهة غير المؤهلة” يعكس فهمًا أوروبيًا بأن الصراع السوداني لم يكن عسكريًا صرفًا، بل نتاج شبكة معقدة من التحالفات السياسية والاقتصادية والأيديولوجية.

من زاوية تحليل موازين القوى، تمثل هذه القوائم محاولة لخفض الوزن التفاوضي لبعض التيارات قبل انطلاق أي حوار رسمي. فالإقصاء المسبق من طاولة التفاوض يحدّ من قدرة هذه الأطراف على فرض شروطها أو تعطيل المسار السياسي. وفي المقابل، يمنح مساحة أكبر لقوى مدنية يُنظر إليها دوليًا باعتبارها أقل ارتباطًا بالبنية الصراعية وأكثر قابلية للانخراط في تسوية سياسية طويلة الأمد.

غير أن هذا التحرك يطرح إشكالية معقدة تتعلق بشرعية “الهندسة الخارجية” للمشهد الداخلي. فبينما يرى داعمو الخطوة أنها ضرورة لحماية المسار السياسي من الاختراق أو التعطيل، يعتبرها منتقدوها تدخلاً يعيد تعريف الفاعلين السياسيين وفق رؤية دولية قد لا تعكس بالكامل تعقيدات الواقع السوداني. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن لعملية سياسية أن تنجح إذا بدأت بإقصاء أطراف تمتلك حضورًا اجتماعيًا وتنظيميًا فعليًا؟

في هذا السياق، تكتسب خطوة الحركة الإسلامية بفتح باب التسجيل للعضوية عبر موقعها الرسمي دلالة خاصة. فبينما يُعاد رسم حدود المشاركة الرسمية من الخارج، تتحرك الحركة لتعزيز حضورها من الداخل، في محاولة لبناء كتلة تنظيمية واسعة قد تشكل رصيدًا تفاوضيًا مستقبليًا أو وسيلة ضغط غير مباشرة. هذا السلوك يعكس إدراكًا بأن المعركة لم تعد فقط حول الجلوس إلى طاولة المفاوضات، بل حول امتلاك قاعدة اجتماعية قادرة على التأثير في أي معادلة سياسية قادمة.

كما أن اعتماد القوائم على معلومات صادرة عن هيئات حقوقية وأجهزة استخبارات دولية يضيف بُعدًا تقنيًا إلى القرار السياسي. فالمعايير لم تُبنَ على الانتماء الفكري المجرد، بل على تقييمات تتعلق بسجل الانتهاكات، وخطاب التحريض، وأنماط التمويل، ومدى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني. هذا المنهج يعكس انتقالًا من السياسة القائمة على التوازنات التقليدية إلى سياسة مشروطة بمعايير قانونية وأمنية محددة سلفًا.

لكن من الناحية العملية، تبقى قدرة هذه المعايير على الصمود أمام تعقيدات الواقع محل اختبار. فالسودان يعيش حالة تشابك بين المدني والعسكري، وبين السياسي والاجتماعي، بحيث يصعب أحيانًا الفصل بين الأدوار والولاءات. وبالتالي، فإن استبعاد جهة ما رسميًا لا يعني بالضرورة تراجع تأثيرها على الأرض. بل قد يدفعها إلى العمل خارج الإطار الرسمي، سواء عبر التحالفات غير المعلنة أو عبر أدوات التأثير المجتمعي والإعلامي.

السيناريوهات المحتملة تتراوح بين مسارين رئيسيين. الأول، أن تنجح القوائم في خلق بيئة تفاوضية أكثر انضباطًا، تسمح بإطلاق عملية سياسية تدريجية تؤسس لمرحلة انتقالية مستقرة. والثاني، أن تؤدي إلى مزيد من الاستقطاب، إذا شعرت الأطراف المستبعدة بأنها مستهدفة سياسيًا، ما قد يدفعها إلى التشكيك في شرعية المسار برمته.

التنسيق المباشر مع الاتحاد الأفريقي يمنح الخطوة غطاءً إقليميًا مهمًا، ويخفف من حدة الاتهامات بالتدخل الأوروبي المنفرد. غير أن نجاح هذا التنسيق مرهون بقدرة الطرفين على الحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الاستقرار وضرورات الشمول السياسي. فالإفراط في الإقصاء قد يُضعف شرعية العملية، بينما الإفراط في الشمول قد يعيد إنتاج الأزمة.

في المحصلة، تعكس القوائم الأوروبية لحظة تحول في إدارة الملف السوداني. لم يعد الهدف فقط إيقاف النزيف الإنساني، بل ضبط شروط إعادة بناء المشهد السياسي. إنها مقاربة تقوم على افتراض أن الاستقرار لا يتحقق بمجرد وقف القتال، بل بإعادة تعريف من يملك حق المشاركة في صناعة القرار. وبين هذا الافتراض وواقع التوازنات الداخلية، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة في السودان: إما نحو إعادة تأسيس سياسية مدروسة، أو نحو دورة جديدة من التجاذب تحت سقف هدنة هشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى