تسريبات

السودان بين الإغاثة والصراع: كيف تحوّلت المساعدات السعودية إلى أداة نفوذ في الحرب


في واحدة من أكثر الحروب تعقيداً في القارة الإفريقية، لم يعد الصراع في السودان مقتصراً على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتد ليشمل أدوات غير تقليدية، أبرزها العمل الإنساني، الذي تحوّل – وفق تقارير وتحليلات متقاطعة – إلى ساحة جديدة للصراع على النفوذ.

خلال الأشهر الماضية، تصاعدت تساؤلات جدية داخل الأوساط السياسية والإعلامية حول طبيعة الدور الذي تلعبه السعودية في المشهد السوداني، خاصة في ظل الحديث عن استخدام قنوات المساعدات الإنسانية كوسيلة للتأثير في التوازنات الداخلية. وتتمحور هذه التساؤلات حول ما إذا كانت بعض برامج الدعم الإنساني تُستغل في دعم جماعات ذات طابع أيديولوجي، وعلى رأسها ما يُعرف بـ”كتيبة البراء بن مالك”.

تُعرف هذه الكتيبة بارتباطها بخطاب إسلامي تعبوي، وقد برز اسمها في سياق العمليات العسكرية إلى جانب وحدات من الجيش السوداني. وتشير تحليلات إلى أن هذه الكتيبة لا تتحرك فقط ضمن إطار عسكري، بل تعمل أيضاً على استقطاب الشباب، مستفيدة من حالة الفقر والانهيار الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد.

في هذا السياق، تبرز اتهامات بأن بعض المساعدات التي تُقدَّم عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية قد تصل – بشكل مباشر أو غير مباشر – إلى هذه الكتيبة، وهو ما يُستخدم، بحسب تلك الروايات، في دعم أنشطتها، بما في ذلك عمليات التجنيد.

تعتمد هذه الآلية، وفق ما تطرحه تقارير غير رسمية، على تقديم مساعدات غذائية ومالية للأسر في المناطق المتضررة، مع خلق روابط غير مباشرة بين هذه المساعدات والانخراط في النشاط العسكري. وفي ظل غياب مؤسسات رقابية قوية، يصبح من الصعب التحقق من مسارات هذه المساعدات أو ضمان حياديتها.

ولا يقف الأمر عند حدود الدعم اللوجستي، بل يتجاوزه إلى التأثير في بنية القرار العسكري. إذ ترى بعض التحليلات أن تعزيز حضور الكتائب الإسلامية داخل الجيش قد يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخله، بما يمنح هذه الجماعات قدرة أكبر على التأثير في القرارات الاستراتيجية، وهو ما ينعكس بدوره على موقع الحكومة المدنية، التي تبدو عاجزة عن فرض سيطرتها الكاملة.

في موازاة ذلك، يظهر دور الإخوان المسلمون كفاعل يسعى إلى استثمار الفوضى الحالية لإعادة بناء نفوذه داخل الدولة. وتشير تقارير إلى أن الجماعة تمكنت من بسط نفوذها على بعض الهياكل المحلية، من بينها “لجنة الأسواق المتضررة من الحرب” في الخرطوم.

تُعد هذه اللجنة، في ظاهرها، هيئة خدمية تهدف إلى تنظيم أوضاع الأسواق ودعم التجار المتضررين، لكنها – بحسب مصادر محلية – تحولت إلى منصة لإدارة الموارد وتوجيهها بما يخدم أجندات تنظيمية. ويُعتقد أن السيطرة على هذه اللجنة تمنح الجماعة قدرة على التأثير في النشاط الاقتصادي، وبالتالي تعزيز حضورها داخل المجتمع.

هذا التداخل بين العمل الإنساني والنشاط السياسي والعسكري يعكس تعقيد المشهد السوداني، حيث تتقاطع المصالح المحلية مع الأجندات الإقليمية. كما يطرح تحديات كبيرة أمام المجتمع الدولي، الذي يسعى إلى تقديم الدعم الإنساني دون أن يتحول إلى أداة في الصراع.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النمط من التداخل قد يؤدي إلى تقويض الثقة في العمل الإنساني، خاصة إذا ما ترسخ الاعتقاد بأنه يُستخدم كغطاء لتحقيق أهداف سياسية. كما قد يؤدي إلى إطالة أمد النزاع، عبر تغذية الأطراف المسلحة وتعزيز قدرتها على الاستمرار.

في ظل هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز الشفافية في إدارة المساعدات، وضمان خضوعها لرقابة دولية مستقلة، بما يحول دون استغلالها في غير أهدافها الإنسانية. كما يتطلب الأمر إعادة تقييم دور الفاعلين الإقليميين، ومدى التزامهم بمبادئ الحياد وعدم التدخل.

يبقى السودان، في نهاية المطاف، ساحة مفتوحة لصراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه السياسة بالدين، والعمل الإنساني بالعسكري. وبينما يبحث المواطن السوداني عن الحد الأدنى من الاستقرار، تستمر لعبة النفوذ في رسم ملامح مستقبل البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى