تسريبات

الإدارة المدنية في السودان… طريق العودة إلى الدولة الغائبة


في ظلّ اتساع رقعة الصراع المسلّح في السودان وتزايد الانهيار في مؤسسات الدولة، عاد النقاش حول مستقبل البلاد ليتصدر واجهة الاهتمام المحلي والدولي. وبينما تتنافس القوى العسكرية على توسيع نفوذها، يبرز خيار الإدارة المدنية المؤسسية بوصفه الطريق الأكثر واقعية لإعادة تشغيل الدولة ومنعها من الانزلاق إلى مزيد من التفكّك. هذا التقرير يستعرض أبرز المؤشرات التي تجعل من الحل المدني خيارًا ملحًّا، ويقدّم قراءة لوضع المؤسسات والخدمات العامة والاقتصاد، إضافة إلى تقييم فرص نجاح هذا المسار وسط تعقيدات المشهد السياسي والأمني.

غياب الدولة: مؤشرات الانهيار المتسارع

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بدأت معالم الدولة السودانية في التآكل بوتيرة غير مسبوقة. تعطلت معظم الوزارات، وتوقفت الخدمات الأساسية في مناطق واسعة، خصوصًا في الخرطوم ودارفور وولاية الجزيرة. موظفون حكوميون تحدّثوا لوسائل إعلام دولية وصفوا الوضع بـ“الفراغ الإداري الكامل”، حيث لم تعد هناك جهة واحدة مسؤولة عن إدارة الملفات الحيوية مثل التعليم والصحة والمياه والكهرباء.

وفي ظل غياب التنظيم الإداري، ظهرت مبادرات محلية تعمل على إدارة الوضع المؤقت في بعض المدن، لكنّها تبقى مبادرات محدودة وغير قادرة على تعويض مؤسسات الدولة الرسمية. وتؤكد تقارير منظمات دولية أن استمرار هذا الوضع يهدد بانهيار طويل الأمد يصعب إصلاحه دون بنية مدنية قادرة على إدارة الخدمات.

اقتصاد بلا إدارة… وانهيار يضغط على المواطنين

التقديرات الاقتصادية تشير إلى أن السودان خسر ما يزيد عن 60% من قدرته الإنتاجية خلال عام واحد من الحرب، خصوصًا مع توقف القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية. ورغم أن البلاد تملك واحدة من أكبر المساحات الزراعية في إفريقيا، فإن غياب الإدارة المدنية الفعّالة جعل موسم 2024 من أضعف المواسم الإنتاجية في تاريخ السودان الحديث.

الاقتصاد السوداني يعيش اليوم على “الإدارة بالصدفة”، حيث تتراجع الرقابة الحكومية، ويتوسع السوق السوداء، وترتفع أسعار السلع الأساسية بطريقة غير منضبطة. ومع غياب المؤسسات الاقتصادية، يفتقد التجار والمزارعون والمستثمرون لأي سياسات واضحة أو حماية قانونية، ما يعمّق الركود ويزيد من هشاشة اقتصاد الحرب.

دراسات اقتصادية محلية تؤكد أن إعادة إحياء الاقتصاد السوداني لن تكون ممكنة عبر الحلول العسكرية، بل عبر وجود جهاز مدني قادر على التخطيط وإدارة الموارد، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين.

الخدمات الأساسية: مواطنون بلا حماية

الخدمات العامة في السودان تواجه انهيارًا شاملاً، ويتجاوز تأثير هذا الانهيار الجانب المعيشي ليصل إلى مستوى تهديد حياة ملايين المواطنين.
في قطاع الصحة، خرجت أكثر من 70% من المنشآت الصحية عن الخدمة. موظفون تحدثوا إلى منظمات دولية أكدوا أن بعض المستشفيات تعمل دون كهرباء أو مياه، وتعتمد على متطوعين وليس على كوادر حكومية.
أما التعليم، فالوضع أكثر تعقيدًا. أغلقت آلاف المدارس أبوابها، وتسبب النزوح الواسع في توقف العملية التعليمية بشكل شبه كامل في مناطق واسعة من البلاد.

تقرير صادر عن إحدى منظمات الأغاثة يشير إلى أنه “حتى لو توقفت الحرب غدًا، فإن إعادة تشغيل الخدمات العامة تحتاج إلى جهاز إداري كبير غير موجود فعليًا في الوقت الحالي.” وهذا ما يجعل الحل المدني المؤسسي شرطًا أساسيًا لإنقاذ القطاعات الحيوية.

لماذا لا يمكن للحل العسكري أن ينقذ البلاد؟

التجارب العالمية تؤكد أن الجيوش، مهما كانت قوتها، غير مؤهلة لإدارة دولة في أوقات السلم، ناهيك عن أوقات النزاعات.
في حالة السودان، تسببت عسكرة الدولة منذ عقود في إضعاف المؤسسات المدنية حتى قبل الحرب. ومع تحول الصراع إلى مواجهة مسلحة مفتوحة، زادت الفجوة، وأصبح الجهاز المدني شبه مشلول.

القوى العسكرية المتصارعة تفتقر إلى رؤية اقتصادية وتنموية، وتتحرك وفق حسابات ميدانية وليس وفق خطط لتسيير مؤسسات الدولة. وهذا ما يفسّر فشل كل المحاولات لإدارة المناطق التي تقع تحت سيطرة أي طرف من الأطراف المتحاربة.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو واضحًا أن الحل العسكري لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار، بينما تتطلب الدولة جهازًا إداريًا متخصصًا قادرًا على العمل بعيدًا عن الاستقطاب العسكري.

الإدارة المدنية المؤسسية… ملامح الحل الممكن

يتفق عدد من الخبراء على أن بناء إدارة مدنية جديدة لا يعني تشكيل حكومة فحسب، بل يتطلب إعادة هيكلة مؤسسات الدولة على أساس المهنية والكفاءة، وتحييد الخدمات العامة عن الصراع السياسي.
أبرز عناصر هذا الحل تشمل:

  1. إعادة تشكيل الجهاز الحكومي على أسس مهنية غير مسيّسة.

  2. إنشاء هياكل محلية لإدارة الخدمات تكون مرتبطة بمؤسسات اتحادية قوية.

  3. إطلاق برنامج لإعادة تأهيل الكوادر الحكومية التي تم تشريدها بسبب الحرب.

  4. وضع خطة اقتصادية عاجلة لإعادة تشغيل قطاعات الإنتاج بدعم دولي.

  5. إبعاد القرار الخدمي عن نفوذ القوى المسلحة ومنعه من التحول إلى أداة سياسية.

هذه العناصر ليست مجرد مقترحات نظرية، بل أصبحت اليوم ضرورة واقعية لأي محاولة لإعادة بناء الدولة.

فرص النجاح… هل الطريق ممكن؟

على الرغم من التعقيدات الميدانية والسياسية، يرى مراقبون أن السودان يملك فرصة حقيقية للعودة إلى مسار مدني مؤسسي إذا توافرت ثلاثة شروط أساسية:

  • وقف العمليات العسكرية أو الحد منها لإتاحة مساحة لإعادة تشغيل المؤسسات.

  • دعم دولي وإقليمي واضح لإنشاء جهاز إداري محايد لا يخضع لأي طرف مسلح.

  • توافق سياسي داخلي على أن الحل المدني ليس خصمًا على أي طرف، بل مصلحة وطنية شاملة.

ورغم أن الطريق طويل، فإن المؤشرات الميدانية توضّح أنه لا يوجد بديل عملي حقيقي للحل المدني إذا كان الهدف إنقاذ ما تبقى من الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى