تسريبات

استراتيجيات البرهان لاستقطاب الطرق الصوفية وأبعادها السياسية


تثير اللقاءات المستمرة للفريق أول عبد الفتاح البرهان بقيادات الطرق الصوفية جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية السودانية، إذ يرى البعض فيها محاولة لتأمين دعم شعبي وسياسي، بينما يصفها آخرون بأنها خطوة تكتيكية لمواجهة ضغوط داخلية وخارجية. من منظور تحليلي، يمكن تفسير هذه التحركات ضمن عدة أبعاد استراتيجية.

أولًا، الطرق الصوفية في السودان تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة تصل إلى القرى والمناطق النائية، حيث تعتمد المجتمعات على هذه القيادات في توجيه الرأي العام والتأثير على القرارات الاجتماعية والسياسية. وبذلك، فإن أي دعم يحصل عليه البرهان من هذه القيادات يترجم مباشرة إلى تعزيز موقفه السياسي، سواء في المجلس التشريعي أو في الحكومة المقبلة.

ثانيًا، تقديم البرهان وعودًا بالحصول على حصص في الحكومة والمجلس التشريعي يشير إلى محاولة لتقنين الدعم عبر صفقات سياسية واضحة. هذه الخطوة تعكس إدراكه بأن السلطة في السودان ليست مجرد قوة عسكرية، بل تتطلب أيضًا تحالفات مدنية ودينية قوية، وهو ما يدفعه إلى الاستثمار في هذه القاعدة الصوفية، التي تعد مصدرًا مهمًا للشرعية الاجتماعية.

ثالثًا، هذه التحركات تحمل أبعادًا تكتيكية، إذ تأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط على البرهان من القوى المدنية والسياسية المعارضة، بالإضافة إلى المجتمع الدولي الذي يراقب الأوضاع في السودان عن كثب. استقطاب الطرق الصوفية يوفر له غطاء اجتماعي وسياسي يمكن استخدامه للرد على أي انتقادات أو تحديات، ويعزز موقفه أمام الشركاء الدوليين بأنه يحظى بدعم شعبي واسع.

من ناحية المخاطر، فإن هذا التوجه قد يؤدي إلى تصاعد التوترات مع القوى المدنية، التي ترى في هذا التحالف خطوة لتعزيز سلطة الجيش على حساب المؤسسات الديمقراطية. كما أن الاعتماد على دعم الطرق الصوفية قد يكون قصير المدى، إذ أن الولاءات التقليدية في السودان يمكن أن تتغير بسرعة بحسب المصالح السياسية والاقتصادية، مما يجعل هذا التحالف هشًا في حال تغيرت الظروف.

بالنظر إلى التجارب السابقة، يبدو أن البرهان يسعى إلى إعادة إنتاج نمط قديم من التحالفات السياسية، حيث يتم المزج بين القوة العسكرية والدعم الاجتماعي التقليدي لضمان السيطرة على المشهد السياسي. هذه الاستراتيجية قد تحقق له استقرارًا مؤقتًا، لكنها لا توفر ضمانات طويلة الأمد، خاصة في ظل الضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة على السلطة العسكرية.

في المحصلة، يمكن القول إن استقطاب البرهان للطرق الصوفية يمثل خطوة استراتيجية مدروسة لتعزيز مكانته السياسية، لكنها محفوفة بالمخاطر. النجاح في تحويل الدعم الاجتماعي والديني إلى نفوذ سياسي حقيقي يعتمد على قدرته على إدارة التحالفات المعقدة وموازنة المصالح المختلفة بين القوى التقليدية والحديثة في السودان. إن فهم هذه الديناميات ضروري لتقدير مستقبل السلطة في البلاد، وما إذا كانت هذه التحركات ستساهم في استقرار الوضع السياسي أم تزيده تعقيدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى