تسريبات

إسلاميون في الجيش السوداني يعلنون دعمهم لإيران واستعدادهم للقتال معها


في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، أعاد تسجيل مصوّر منسوب إلى القيادي الإسلامي السوداني الناجي عبد الله تسليط الضوء على واحد من أكثر الملفات حساسية في المشهد السوداني: حضور التيار الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية، وتقاطعاته الإقليمية، وحدود استقلال قراره السياسي والعسكري. في التسجيل، يعلن عبد الله – الذي يقدَّم بوصفه قيادياً في الحركة الإسلامية المقاتلة ضمن كتائب القوات المسلحة السودانية – تأييدهم لإيران واستعدادهم للقتال إلى جانبها، رغم ما يصفه خصوم طهران بسلوكها المزعزع للاستقرار في الإقليم. هذه الرسائل تطرح أسئلة عميقة حول طبيعة الاصطفافات داخل السودان، ومآلات الحرب الداخلية، وإمكانية تحوّل البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة.

منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، دخلت البلاد طوراً جديداً من التشظي العسكري والسياسي. وبينما حاولت قيادة الجيش تقديم المعركة بوصفها حرباً لحماية الدولة، برزت مؤشرات على عودة شبكات الحركة الإسلامية – التي حكمت البلاد لثلاثة عقود عبر نظام عمر البشير – إلى واجهة الفعل العسكري والسياسي. ومع أن الجيش ينفي رسمياً خضوعه لأي تيار حزبي، إلا أن وجود كتائب محسوبة على الإسلاميين داخل صفوفه بات محل نقاش متصاعد في الأوساط المحلية والدولية.

التسجيل المنسوب للناجي عبد الله يكتسب أهميته من كونه لا يعبّر فقط عن موقف تضامني عابر، بل يتحدث عن “استعداد للقتال إلى جانب إيران”، وهو تعبير يتجاوز الدعم السياسي إلى احتمال الانخراط العسكري خارج الحدود. في السياق الإقليمي، يُفهم هذا التصريح باعتباره إشارة إلى محور تقوده طهران ويضم فاعلين مسلحين في أكثر من ساحة. وتأتي هذه الإشارة في وقت تتصاعد فيه المواجهات بين إسرائيل وفاعلين مدعومين من إيران في لبنان وسوريا وغزة، ما يضاعف حساسية أي إعلان انخراط من طرف جديد.

العلاقة بين الخرطوم وطهران ليست جديدة. فقد شهدت سنوات حكم البشير تقارباً ملحوظاً، تُوّج بتعاون عسكري وأمني، قبل أن يتراجع تحت ضغط إقليمي، خصوصاً من دول الخليج. غير أن الحرب الأخيرة أعادت فتح قنوات الاتصال، وسط تقارير عن دعم عسكري إيراني للجيش السوداني، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة. وفي حال ثبوت صحة هذه التقارير، فإن تصريحات القيادي الإسلامي قد تعكس ثقة متزايدة داخل التيار الإسلامي بأن كفة الميدان تميل لصالحهم بدعم خارجي.

لكن السؤال الجوهري يتمثل في مدى تمثيل هذه التصريحات للمؤسسة العسكرية ككل. فالجيش السوداني تاريخياً مؤسسة متعددة التيارات، تضم ضباطاً بمرجعيات قومية ومهنية، إلى جانب عناصر ذات انتماءات أيديولوجية. بعد سقوط البشير في 2019، سعت القيادة العسكرية إلى إعادة تقديم نفسها كحارس للانتقال السياسي، وإن شاب هذا المسار الكثير من التعثر. عودة الخطاب الإسلامي العابر للحدود يهدد بتقويض هذا السرد، ويمنح خصوم الجيش مادة إضافية للقول إن الحرب ليست فقط صراعاً على السلطة، بل أيضاً معركة لإعادة تمكين الإسلاميين.

على الصعيد الداخلي، يحمل إعلان الاستعداد للقتال إلى جانب دولة خارجية مخاطر سياسية جسيمة. فالسودان يعاني أصلاً من انقسامات حادة، وأي اصطفاف إقليمي قد يعمّق الاستقطاب بين مكونات المجتمع، خصوصاً في ظل تنامي النزعات الجهوية والقبلية. كما أن القوى المدنية التي قادت احتجاجات 2019 تنظر بعين الريبة إلى أي عودة للحركة الإسلامية إلى مركز القرار، وتخشى أن تُستخدم الحرب كغطاء لإعادة هندسة الدولة على أسس أيديولوجية.

إقليمياً، قد يُنظر إلى هذه التصريحات باعتبارها رسالة تحدٍ لدول عربية ترى في إيران خصماً استراتيجياً. السودان كان خلال العقدين الماضيين ساحة تنافس بين محاور متباينة، من الخليج إلى تركيا وقطر ثم روسيا. الانحياز الصريح إلى طهران – إن تُرجم إلى سياسات – قد يعرّض الخرطوم لعزلة دبلوماسية أو عقوبات إضافية، في وقت هي بأمسّ الحاجة إلى الدعم الإنساني والاقتصادي.

أما دول الجوار، وعلى رأسها مصر وإثيوبيا وتشاد وجنوب السودان، فتنظر بقلق إلى احتمال تحوّل السودان إلى منصة لفاعلين مسلحين عابرين للحدود. فالهشاشة الأمنية الحالية سمحت بانتشار السلاح وتدفقات اللاجئين، وأي توسيع لدائرة الصراع ليشمل ارتباطات إقليمية مباشرة سيضاعف المخاطر. في هذا السياق، يصبح تصريح قيادي إسلامي عن القتال إلى جانب إيران أكثر من مجرد خطاب تعبوي؛ إنه عنصر قد يُعاد توظيفه في حسابات الأمن القومي لدول عدة.

الزاوية القانونية أيضاً تستحق التوقف. انخراط مقاتلين سودانيين في نزاعات خارجية يثير أسئلة حول شرعية ذلك في ظل غياب تفويض برلماني أو حكومة مدنية كاملة الصلاحيات. كما يضع السودان أمام احتمالات مساءلة دولية إذا ما ارتبط اسمه بعمليات عسكرية خارج أراضيه. في المقابل، قد يجادل أنصار التيار الإسلامي بأن مواقفهم تأتي في إطار “تحالفات مقاومة” لا تختلف عن تحالفات تقيمها دول أخرى، لكن الفارق يكمن في هشاشة الوضع الداخلي وغياب الإجماع الوطني.

تحليل الخطاب المستخدم في التسجيل يكشف عن محاولة لربط المعركة الداخلية بسردية أوسع عن “محور مقاوم” في مواجهة خصوم إقليميين ودوليين. هذا الربط قد يخدم تعبئة القاعدة الأيديولوجية، لكنه يحمل مخاطر إدخال السودان في صراعات ليست له فيها مصلحة مباشرة. كما أنه يمنح قوات الدعم السريع وحلفاءها فرصة لتقديم أنفسهم كشريك محتمل لقوى إقليمية مناوئة لإيران، ما يفتح الباب أمام مزيد من الاستقطاب الخارجي.

لا يمكن إغفال البعد البراغماتي أيضاً. في الحروب الأهلية، تسعى الأطراف المتحاربة إلى تأمين مصادر السلاح والتمويل عبر شبكات خارجية. من هذا المنظور، قد يُقرأ التقارب مع إيران باعتباره محاولة لتعويض اختلالات ميدانية أو ضغوط لوجستية. غير أن تحويل هذه الضرورة التكتيكية إلى خطاب أيديولوجي معلن يرفع سقف التوقعات ويصعّب لاحقاً أي إعادة تموضع دبلوماسي.

في المحصلة، يكشف تسجيل الناجي عبد الله عن طبقة إضافية من التعقيد في المشهد السوداني. فالحرب لم تعد فقط صراعاً بين جيش وقوة شبه عسكرية، بل باتت ساحة تتقاطع فيها مشاريع أيديولوجية وطموحات إقليمية وحسابات بقاء. مصداقية المؤسسة العسكرية على المحك، وكذلك فرص أي تسوية سياسية مستقبلية. فكلما تعمّق الارتباط بمحاور خارجية، تقلّص هامش المناورة الوطني.

يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل هذه التصريحات توجهاً رسمياً آخذًا في التشكل، أم أنها تعبير عن جناح أيديولوجي يسعى إلى تثبيت حضوره في لحظة فراغ؟ الإجابة ستتوقف على تطورات الميدان، وعلى قدرة القوى السودانية – مدنية وعسكرية – على إعادة تعريف أولوياتها بعيداً عن منطق المحاور. ما هو مؤكد أن السودان، المنهك بالحرب والانقسام، لا يحتمل بسهولة كلفة الانزلاق إلى صراع إقليمي أوسع، وأن أي قرار بالانخراط في معارك خارج حدوده سيعيد رسم موقعه في خريطة التحالفات لسنوات مقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى