تسريبات

أين اختفى حسبو؟


في السياسة السودانية، اعتادت الساحة العامة أن تشهد صعود شخصيات ونفوذاً يتجاوز المؤسسات نفسها، لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو الاختفاء المفاجئ لبعض هذه الشخصيات بعد أن كانت في قلب صناعة القرار. ومن بين تلك الأسماء يبرز محمد عبد الرحمن حسبو، نائب الرئيس السابق وأحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بسنوات حكم الإنقاذ الأخيرة، والذي تحول خلال سنوات قليلة من مسؤول يتصدر نشرات الأخبار ويشارك في الملفات الكبرى إلى شخصية غائبة عن المشهد السياسي والإعلامي.

هذا الغياب الطويل يطرح أسئلة عديدة: أين اختفى حسبو؟ ولماذا تراجع حضوره بشكل كامل تقريباً؟ وهل كان خروجه من المشهد خياراً شخصياً أم نتيجة لتحولات سياسية أطاحت بنفوذ جيل كامل من رجال النظام السابق؟

صعود من الهامش إلى قلب السلطة

لم يكن حسبو من الوجوه التقليدية التي برزت في بدايات حكم الإنقاذ، لكنه نجح تدريجياً في التقدم داخل هياكل السلطة حتى أصبح من الشخصيات المقربة من دوائر اتخاذ القرار.

وخلال سنوات صعوده، استفاد الرجل من شبكة علاقات سياسية وقبلية وإدارية مكنته من لعب أدوار متعددة، خصوصاً في الملفات المرتبطة بإقليم دارفور والمصالحات المحلية. ومع مرور الوقت أصبح أحد الأسماء التي يعتمد عليها النظام في إدارة التوازنات السياسية داخل البلاد.

عندما تم تعيينه نائباً لرئيس الجمهورية، اعتبر كثير من المراقبين أن الخطوة تعكس رغبة السلطة في تعزيز حضور شخصيات ذات خلفيات إقليمية وقبلية قادرة على مخاطبة قطاعات واسعة من المجتمع السوداني.

لكن المنصب لم يكن مجرد ترقية سياسية، بل وضع حسبو في قلب منظومة الحكم، وجعله شريكاً في إدارة مرحلة كانت من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ السودان الحديث.

سنوات النفوذ

خلال فترة وجوده في القصر الجمهوري، ظهر حسبو في عشرات المناسبات الرسمية واللقاءات السياسية. وكان يتحدث باسم الدولة في ملفات حساسة، ويشارك في اجتماعات عليا تتعلق بالأمن والسياسة والاقتصاد.

وبالنسبة لكثير من السودانيين، أصبح الرجل جزءاً من الصورة العامة للنظام الحاكم، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة التي شهدت أزمات اقتصادية متلاحقة واحتجاجات شعبية متصاعدة.

ورغم أن الأضواء كانت تتركز غالباً على الرئيس عمر البشير وعدد من القيادات المعروفة، فإن حسبو ظل يمثل أحد الأعمدة السياسية التي استند إليها النظام في سنواته الأخيرة.

غير أن النفوذ الذي بدا راسخاً في ذلك الوقت كان مرتبطاً إلى حد كبير ببقاء المنظومة الحاكمة نفسها، وهو ما سيظهر بوضوح بعد أحداث 2019.

لحظة السقوط الكبرى

مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية واتساع نطاق الغضب العام ضد السلطة، بدأت ملامح نهاية مرحلة سياسية كاملة تلوح في الأفق.

وعندما سقط نظام الإنقاذ في أبريل 2019، لم يكن السقوط مقتصراً على الرئيس أو الحكومة فقط، بل شمل شبكة واسعة من القيادات والمسؤولين الذين ارتبطت أسماؤهم بالنظام.

وجد كثير من هؤلاء أنفسهم فجأة خارج السلطة، بعد سنوات طويلة من النفوذ والتأثير.

وكان حسبو من بين أبرز الشخصيات التي تأثرت بهذه التحولات، إذ اختفى حضوره الإعلامي بصورة شبه كاملة، ولم يعد يظهر في المناسبات السياسية أو المؤتمرات أو النقاشات العامة كما كان يحدث سابقاً.

لماذا اختفى؟

لا توجد إجابة رسمية واحدة تفسر اختفاء حسبو، لكن هناك عدة تفسيرات يتداولها المراقبون.

التفسير الأول يتعلق بطبيعة المرحلة التي أعقبت سقوط النظام، حيث تعرضت الشخصيات المرتبطة بالسلطة السابقة لضغوط سياسية وقانونية وإعلامية كبيرة، ما دفع العديد منها إلى الابتعاد عن الأضواء.

أما التفسير الثاني فيرتبط بتفكك البنية السياسية التي كانت توفر لهذه القيادات نفوذها وموقعها. فبعد انهيار الحزب الحاكم السابق، فقد كثير من المسؤولين المنصة التي كانوا يتحركون من خلالها.

هناك أيضاً من يرى أن حسبو اختار استراتيجية الصمت والابتعاد، تجنباً للدخول في صراعات سياسية جديدة أو معارك إعلامية قد تزيد من الجدل حول دوره خلال سنوات الحكم.

مقارنة مع شخصيات أخرى

اللافت أن بعض قيادات النظام السابق حاولت العودة إلى المشهد عبر التصريحات أو المبادرات السياسية أو النشاط الإعلامي، بينما فضل آخرون الابتعاد الكامل.

وفي حالة حسبو، يبدو أن خيار الابتعاد كان أكثر وضوحاً من غيره. فالرجل لم يسع إلى لعب دور سياسي بارز بعد سقوط النظام، ولم يظهر باعتباره قائداً لمبادرة أو تيار سياسي جديد.

هذا الاختفاء جعل اسمه يتراجع تدريجياً من التداول العام، رغم أنه كان في يوم من الأيام أحد أكثر المسؤولين نفوذاً في البلاد.

هل انتهى دوره السياسي؟

السؤال الذي يطرحه كثير من المتابعين هو ما إذا كان اختفاء حسبو يعني نهاية مسيرته السياسية بشكل نهائي.

التجربة السودانية تشير إلى أن السياسة لا تعرف النهايات المطلقة. فقد شهد تاريخ البلاد عودة شخصيات كثيرة إلى الساحة بعد سنوات من الغياب، مستفيدة من التحولات والتوازنات الجديدة.

لكن عودة أي شخصية سياسية تحتاج إلى قاعدة تنظيمية وتحالفات وقدرة على التأثير في المشهد الراهن، وهي عناصر لا يبدو أنها متوفرة بوضوح في حالة حسبو حتى الآن.

كما أن الأجيال السياسية الجديدة التي برزت بعد 2019 تختلف في أولوياتها وخطابها عن المرحلة التي كان فيها الرجل أحد أبرز رموز السلطة.

إرث مثير للجدل

يبقى محمد عبد الرحمن حسبو واحداً من الشخصيات التي ارتبط اسمها بمرحلة مهمة ومثيرة للجدل من تاريخ السودان.

فبالنسبة لمؤيديه، كان مسؤولاً لعب أدواراً في إدارة ملفات معقدة وساهم في جهود سياسية واجتماعية داخل البلاد.

أما منتقدوه فيعتبرونه جزءاً من منظومة حكم واجهت انتقادات واسعة بسبب سياساتها وأدائها خلال سنواتها الأخيرة.

وبين هذين الرأيين، يبقى المؤكد أن الرجل كان أحد الوجوه البارزة في السلطة السودانية لفترة ليست قصيرة، وأن اختفاءه المفاجئ بعد سقوط النظام يعكس حجم التحول الذي شهدته البلاد.

بعد سنوات من الظهور المستمر في المشهد العام، تحول محمد عبد الرحمن حسبو إلى اسم يُستدعى عند الحديث عن رجال الإنقاذ الذين غادروا المسرح السياسي بصمت. وبين من يرى أن غيابه نتيجة طبيعية لانتهاء مرحلة كاملة، ومن يعتقد أنه مجرد انسحاب مؤقت قد يسبق عودة مستقبلية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل كان اختفاء حسبو نهاية لمسيرة سياسية طويلة، أم أن السياسة السودانية ما زالت تخبئ فصولاً جديدة لرجل كان يوماً في قلب السلطة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى